مع بداية العام الدراسي، يحرص كثير من الأطفال على التفوق والحصول على درجات مرتفعة، لكن بعضهم قد يعاني من خوف مبالغ فيه من ارتكاب الأخطاء، أو يكرر كتابة الإجابات ومراجعة الواجبات مرات عديدة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًا حول الفرق بين الاجتهاد الدراسي الطبيعي والأعراض التي قد تشير إلى الإصابة بالوسواس القهري لدى الأطفال.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة والمدرسة في ملاحظة التغيرات السلوكية التي قد تؤثر في الحالة النفسية للطفل وتحصيله الدراسي، مع ضرورة عدم التسرع في تفسير كل سلوك متكرر باعتباره اضطرابًا نفسيًا.
ما علاقة الوسواس القهري بالتفوق الدراسي عند الأطفال؟
قالت فايزا أحمد أخصائية نفسية في تصريحات خاصة لموقع الحرية يمكن أن يظهر الوسواس القهري لدى الأطفال في صورة أفكار متكررة وغير مرغوبة تسبب لهم القلق والضيق، وقد تدفعهم إلى تكرار بعض الأفعال أو السلوكيات في محاولة لتخفيف هذا الشعور.
وقد ترتبط بعض الأعراض بالمواقف الدراسية، مثل الخوف الشديد من ارتكاب خطأ في الإجابة، أو إعادة كتابة الواجب مرات متكررة، أو مراجعة الحلول بصورة تعوق الطفل عن إنهاء مهامه في الوقت المحدد.
كما لا يعني ذلك أن كل طفل يسعى إلى الحصول على الدرجات النهائية أو يراجع واجباته باستمرار يعاني من الوسواس القهري، إذ يتطلب التشخيص تقييمًا متخصصًا لطبيعة الأفكار والسلوكيات ومدى تأثيرها في حياة الطفل اليومية.
علامات الوسواس القهري التي قد تظهر داخل المدرسة
وبين الأخصائية أنه توجد مجموعة من السلوكيات التي تستحق الانتباه، خاصة إذا تكررت بصورة ملحوظة وأصبحت تؤثر في قدرة الطفل على ممارسة أنشطته اليومية، ومن أبرزها:
- تكرار مسح الإجابات وإعادة كتابتها بسبب الخوف من ارتكاب الأخطاء.
- مراجعة الواجبات المدرسية مرات عديدة مع صعوبة التوقف عن المراجعة.
- الشعور بقلق شديد عند الاعتقاد بأن الإجابة غير مكتملة أو غير صحيحة.
- تكرار سؤال المعلم أو الوالدين عن صحة الإجابات رغم الحصول على الطمأنة.
- استغراق وقت طويل في أداء المهام الدراسية بسبب سلوكيات متكررة يشعر الطفل بأنه مضطر إلى القيام بها.
- تأثر النوم أو التركيز أو المشاركة في الأنشطة المدرسية نتيجة الانشغال بالأفكار المزعجة.
وتختلف الأعراض من طفل إلى آخر، كما أن ظهور علامة واحدة لا يكفي لتشخيص الوسواس القهري، فقد تكون لهذه السلوكيات أسباب أخرى تحتاج إلى تقييم مناسب.
هل يسبب ضغط الامتحانات الإصابة بالوسواس القهري؟
قالت فايزا لا يمكن اعتبار ضغط الامتحانات أو رغبة الأسرة في التفوق سببًا مباشرًا للإصابة بالوسواس القهري، إذ يرتبط الاضطراب بعوامل متعددة، من بينها عوامل بيولوجية ووراثية ونفسية.
ومع ذلك، قد يؤدي التوتر إلى زيادة حدة الأعراض لدى بعض الأطفال المصابين بالاضطراب، وهو ما يجعل التعامل مع الضغوط الدراسية والخوف من الفشل من الجوانب المهمة التي ينبغي مراعاتها عند تقييم الحالة.
كما أن المقارنة المستمرة بين الأطفال، أو توبيخ الطفل بصورة قاسية عند ارتكاب خطأ، قد يزيدان من شعوره بالقلق، لذلك يُنصح بأن تركز الأسرة على تشجيع التعلم وبذل الجهد بدلًا من ربط قيمة الطفل بالحصول على درجات نهائية.

كيف تفرق الأسرة بين الاجتهاد والوسواس القهري؟
اشارت فائزا أحمد الي أن الفارق الأساسي في مدى قدرة الطفل على التحكم في سلوكه وتأثيره في حياته اليومية؛ فالطفل المجتهد يستطيع عادةً مراجعة إجاباته ثم الانتقال إلى مهمة أخرى، حتى لو شعر ببعض القلق بشأن النتيجة.
أما الطفل الذي يعاني من أعراض الوسواس القهري، فقد يشعر بأنه مضطر إلى تكرار سلوك معين لتخفيف القلق الناتج عن أفكار متكررة، رغم إدراكه أن التكرار قد يكون مبالغًا فيه.
وتزداد أهمية التقييم المتخصص عندما تستغرق هذه السلوكيات وقتًا طويلًا، أو تسبب ضيقًا واضحًا، أو تعطل أداء الواجبات، أو تؤثر في علاقات الطفل بزملائه وأفراد أسرته.
دور المدرسة في اكتشاف الوسواس القهري لدى الأطفال
وقالت فائزا تؤدي المدرسة دورًا مهمًا في ملاحظة التغيرات السلوكية التي قد تظهر داخل الفصل، خاصة عندما يلاحظ المعلم أن الطفل يستغرق وقتًا غير معتاد في إنجاز المهام، أو يكرر الأسئلة بصورة ملحوظة، أو يتجنب المشاركة خوفًا من الخطأ.
ويُنصح بالتعامل مع الطفل بهدوء واحترام، وتجنب السخرية منه أو وصفه بالكسل والعناد، مع التواصل مع الأسرة عند ملاحظة سلوك متكرر يؤثر في أدائه الدراسي.
كما يمكن للأخصائي النفسي أو الاجتماعي بالمدرسة المساعدة في توجيه الأسرة إلى طلب تقييم من مختص في الصحة النفسية للأطفال، مع الحفاظ على خصوصية الطفل وعدم وصمه أمام زملائه.
كيف تتعامل الأسرة مع الطفل الذي يعاني من الوسواس القهري؟
بينت فايزا أحمد أن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان والدعم، بعيدًا عن اللوم أو العقاب بسبب الأفكار والسلوكيات التي يجد صعوبة في التحكم فيها.
ومن أهم الخطوات التي يمكن للأسرة اتباعها:
- الاستماع إلى مخاوف الطفل دون التقليل من مشاعره أو السخرية منها.
- تجنب وصفه بأنه ضعيف أو مدلل بسبب تكرار الأسئلة أو السلوكيات.
- عدم إجباره على التوقف المفاجئ عن السلوكيات القهرية دون توجيه علاجي متخصص.
- تشجيعه على التوازن بين الدراسة والراحة والنوم والأنشطة الترفيهية.
- استشارة طبيب أو أخصائي نفسي مؤهل إذا كانت الأعراض تسبب ضيقًا أو تعطل الحياة اليومية.
ويشمل العلاج، وفقًا لتقييم الحالة، العلاج المعرفي السلوكي، وخاصة أسلوب التعرض ومنع الاستجابة، وقد يوصي الطبيب بعلاج دوائي في بعض الحالات وفقًا لعمر الطفل وشدة الأعراض واحتياجاته.
متى يجب استشارة طبيب نفسي للأطفال؟
ونصحت الأخصائية الأسرة بطلب المساعدة المتخصصة عندما تصبح الأفكار المتكررة أو السلوكيات القهرية مصدرًا مستمرًا للضيق، أو تستغرق وقتًا ملحوظًا، أو تؤثر في التحصيل الدراسي والنوم والعلاقات الاجتماعية.
وفي النهاية، فإن اكتشاف العلامات مبكرًا والتعامل معها بطريقة صحيحة يساعدان الطفل على الحصول على الدعم المناسب، مع التأكيد على أن التفوق الدراسي لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر دائم للخوف والقلق، وأن الصحة النفسية للطفل لا تقل أهمية عن نجاحه الدراسي.




















