لم يعد السؤال المطروح في الشارع المصري اليوم ترفًا سياسيًا أو جدلًا نخبويًا، بل بات سؤال بقاء اقتصادي واجتماعي: هل نحن أمام تغيير حكومي حقيقي بصلاحيات واسعة ورؤية مختلفة، أم مجرد إصلاح وزاري تجميلي يُبقي على النهج ذاته مع تغيير الوجوه؟
الفارق بين الخيارين ليس لغويًا، بل مصيريًا، لأن كلفة الإبقاء على المسار الحالي لم تعد تُحتمل لا على المواطن ولا على الدولة ،الحديث عن حكومة جديدة لا يجب أن يُختزل في اسم رئيسها، بل في فلسفتها،وخطة الإدارة طويلة الأجل وأثرها علي المواطن ،كل قرار يتم اتخاذه ينعكس علي حياة الناس ،حكومة بصلاحيات حقيقية، غير مقيدة بالخوف من اتخاذ القرار، وقادرة على تفكيك الأزمات لا إدارتها فقط يراقبها البرلمان بشكل حقيقي، حكومة تمتلك خريطة طريق للتنمية الاقتصادية المستدامة، لا تعتمد على المسكنات ولا على ترحيل الأزمات للأمام، بل تواجه جذور المشكلة: الاستثمار ،الصناعة ،التجارة ،التعدين ، السياحة ، الصحة ،والتعليم ،والعدالة في توزيع الأعباء، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، تجديد دماء النظام لم يعد شعارًا رنانًا، بل ضرورة أمن قومي،في المقابل يطرح خيار الإبقاء على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، مع الرهان على الخبرة المتراكمة منذ 2018 وتلافي أخطاء الماضي ،وانه الحكومة الحالية باتت قادرة علي التعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية ،هذا الطرح يبدو منطقيًا نظريًا، لكنه يصطدم بسؤال بسيط وقاسٍ: إذا كانت الأخطاء واضحة، والنتائج ملموسة في جيوب المواطنين، فلماذا لم تُصحح في وقتها؟ الخبرة التي لا تنعكس تحسنًا في مستوى المعيشة ولا استقرارًا في الأسعار تصبح عبئًا لا ميزة، وتتحول من رصيد سياسي إلى خصم مباشر من ثقة الشارع.
الغلاء والديون هما العدو الداخلي الأول للدولة المصرية اليوم، عدو صامت لا يُرى في الشوارع لكنه يفتك بالاستقرار الاجتماعي، ويقضم الطبقة الوسطى، ويدفع الفئات الهشة إلى حافة اليأس، الدولة التي نجحت في مواجهة فيروس سي بإرادة سياسية واضحة، وتمويل مدروس، وإدارة مركزية حاسمة، مطالَبة اليوم بالسؤال نفسه: هل نمتلك الإرادة ذاتها لمحاصرة آلة التضخم؟ أم أن التضخم بات قدرًا محتومًا يُطلب من المواطن التعايش معه بدلًا من مواجهته؟
القضاء على فيروس سي لم يكن معجزة، بل كان قرارًا سياسيًا شجاعًا، وتوجيه مباشر من الرئيس لحلها ، أما التضخم، فيُدار حتى الآن كأزمة عابرة، بينما هو في الحقيقة نتيجة تراكمات لسنوات من السياسات الاقتصادية، بعضها كان مفروضًا وبعضها كان اختياريًا ،الإنقاذ الحقيقي يبدأ بالاعتراف أن الأزمة ليست خارجية فقط، وأن جزءًا منها صُنع محليًا، ويمكن مجابهته محليًا بعقول وأيدي مصرية نمتلك من الخبرات والتجارب ما يؤهلنا لتخطي كل الأزمات دون الحاجة لمزيد من الاقتراض وقبول شروط بنك النقد الدولي أو غيره .
البرلمان القادم يقف أمام اختبار لا يقل خطورة عن تشكيل الحكومة، تشريعات الأمس لم تعد صالحة لعالم اليوم، والعديد من القوانين حبيسة الإدراج لم ترى النور ، اظن قانون الهجرة أهمها سيخدم 14 مليون مصرى يمول الاقتصاد الوطني من الخارج ، المواطن يعيش تحت ضغط اقتصادي غير مسبوق ويريد أن يرتاح ، المطلوب برلمان يُشرّع بعقل اقتصادي مرن، يوازن بين جذب الاستثمار الخارجي وحماية السيادة الوطنية، لا برلمان يكتفي بتمرير أجندة واحدة أثبتت محدودية جدواها على مدار عشرة أعوام، الاستثمار لا يهرب من السيادة، بل يهرب من الغموض، والبيروقراطية، وعدم استقرار السياسات ،أما المشهد الحزبي، فتحالف الأحزاب الموالية أمام تحدٍ حقيقي: هل يستطيع التحول من كتلة داعمة بلا نقاش إلى شريك سياسي قادر على الحوار مع معارضة – مهما كانت مُهندسة – ومع شارع لم يعد يقبل الخطاب الواحد؟ المعارضة، من جانبها أمام فرصة جيدة : إما أن تظل ديكورًا سياسيًا، أو أن تستعيد دورها الحقيقي، الشارع المصري رغم كل شيء، ما زال متفائلًا بحذر لا يطلب معجزات بل إشارات صادقة: تغيير يشعر به في الأسعار، في الخدمات، في العدالة ،الأيام القادمة ستكشف إن كنا أمام تغيير حكومي حقيقي يُعيد ضبط البوصلة، أم إصلاح وزاري محدود يراهن على الوقت، بينما الوقت نفسه أصبح خصمًا لا حليفًا.
خطة الإنقاذ الأخيرة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول ، إما قرار شجاع يواجه الواقع ، أو استمرار في إدارة الأزمة حتى تُديرنا هي وفي السياسة، كما في الاقتصاد، لحظة التردد قد تكون أخطر من القرار الخاطئ.






















