ثمّة مقالات لا تنتهي عند النقطة التي يضع الكاتب عندها خاتمته، وإنما تبدأ منها الأسئلة الأكثر صعوبة، وهذا ما يفعله مقال الأستاذ أشرف راضي، “الحوار المجتمعي المنشود والمفقود حول إصلاح التعليم”، حين يتجاوز النقاش المعتاد حول كثافة الفصول، والمصروفات، والامتحانات، والدروس الخصوصية، والمدارس الدولية، ليضع يده على السؤال الذي يسبق كل هذه الأسئلة: أي فلسفة للتعليم تحتاجها مصر؟
فالمشكلة في التعليم لا تبدأ من المدرسة، ولا تنتهي عند شهادة يحصل عليها الطالب؛ إنها تبدأ من التصور الذي نملكه عن الإنسان نفسه، هل نراه متلقيًا للمعلومات أم عقلًا قادرًا على إنتاج المعرفة؟ هل وظيفة المدرسة أن تُخرج طالبًا يعرف الإجابة الصحيحة في ورقة الامتحان، أم إنسانًا يستطيع أن يطرح السؤال الصحيح حين لا تكون هناك إجابة جاهزة؟ وهل الجامعة مصنع للشهادات أم فضاء لتكوين العقل والمهارة والقدرة على البحث والابتكار؟ وهل نقيس نجاح النظام التعليمي بعدد الملتحقين به والشهادات التي يمنحها، أم بما يتركه في الإنسان من قدرة على التعلم والعمل والتفكير وإعادة التعلم؟
انتهيت في مقالة سابقة إلى السؤال عما تستطيع مصر أن تصنع بما تملك؟” والإجابة تبدأ من الإنسان الذي يستطيع أن يصنع ذلك، فالموارد لا تنتج وحدها، والبنية التحتية لا تبتكر، والتكنولوجيا لا تعمل من تلقاء نفسها، والمؤسسات لا تصبح كفؤة إلا بقدر ما يملك القائمون عليها من معرفة ومهارة وقدرة على اتخاذ القرار، ومن هنا يصبح إصلاح التعليم جزءًا من مشروع أوسع بكثير: مشروع تحويل السكان من كتلة بشرية إلى رأس مال بشري، وتحويل رأس المال البشري إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى قوة وطنية.
وهنا تحديدًا تكمن المسافة بين التعليم بوصفه خدمة والتعليم بوصفه استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان. وقد يكون أكبر خطأ في التفكير في إصلاح التعليم هو النظر إليه باعتباره قطاعًا منفصلًا عن بقية الدولة، فالتعليم ليس وزارة فقط، ولا مباني وفصولًا ومناهج وامتحانات؛ إنه البنية العميقة التي تتشكل داخلها قدرة المجتمع على التعلم والتكيف والإنتاج والابتكار، ولهذا فإن السؤال: “كم مدرسة لدينا؟” أقل أهمية من سؤال آخر: “ماذا يتعلم الأطفال داخل هذه المدارس؟”، والسؤال: “كم طالبًا التحق بالتعليم؟” لا يكتمل إلا بسؤال: “كم طالبًا خرج منه وهو يمتلك القدرة على الفهم والتحليل والتطبيق والتعلم المستمر؟”
وتكشف البيانات المتاحة عن هذه الفجوة بوضوح، فوفق أحدث موجز للبنك الدولي عن رأس المال البشري في مصر، بلغت نسبة إتمام المرحلة الابتدائية 97% في عام 2021، لكن فقر التعلم ظل عند 56%، أي إن أكثر من نصف الأطفال في سن العاشرة تقريبًا لم يكونوا قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه وفق المؤشر المستخدم، كما بلغت نسبة الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب 27% في 2022، والأرقام هنا تكشف مفارقة شديدة الدلالة: يمكن أن ننجح في إدخال الطفل إلى المدرسة دون أن ننجح بالقدر نفسه في إدخال التعلم إلى الطفل.
وهذا هو التحول المفاهيمي الذي ينبغي أن يبدأ منه الإصلاح: الانتقال من قياس المدخلات إلى قياس النواتج؛ من عدد المدارس والفصول والطلاب إلى مقدار المعرفة والمهارة والقدرة التي يكتسبها الإنسان بالفعل، فالتعليم الحقيقي ليس هو ما يودع في ذاكرة الطالب، وإنما ما يبقى في عقله بعد أن ينسى ما حفظه.
فلقد نشأت حول التعليم في مصر، كما يشير الأستاذ أشرف راضي، منظومة اقتصادية واجتماعية واسعة: مدارس، جامعات، دروس خصوصية، مراكز تعليمية، كتب ومذكرات، منصات رقمية، وشهادات متعددة القيمة في سوق العمل، لكن المشكلة لا تكمن في وجود سوق للتعليم في حد ذاته، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الحصول على الشهادة غاية مستقلة عن اكتساب القدرة، عندها ينفصل التعليم عن وظيفته الأساسية.
فيذاكر الطالب لكي ينجح، وينجح لكي يحصل على الشهادة، ويحصل على الشهادة لكي يبحث عن وظيفة، ثم تكتشف المؤسسة أن الشهادة لا تكفي لأداء العمل، ويكتشف الشاب أن سنوات التعليم لم تمنحه بالضرورة المهارات التي يحتاجها سوق العمل، وهكذا ندخل في دائرة مغلقة: تعليم ينتج شهادات، وسوق عمل يبحث عن مهارات، ومجتمع يدفع ثمن الفجوة بين الاثنين.
وتؤكد الأدلة الدولية أن المشكلة ليست في مستوى المهارات فقط، وإنما في كيفية استخدامها وتوزيعها داخل الاقتصاد، ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح سوق العمل، ولا عن طبيعة الشركات والمؤسسات، ولا عن سياسات الابتكار، ولا عن جودة الإدارة، فالتعليم وحده لا يصنع رأس المال البشري، وهنا ربما نحتاج إلى تصحيح مفهوم شائع: رأس المال البشري ليس مرادفًا للتعليم، فالتعليم أحد مكوناته، لكنه ليس المكون الوحيد، لأن الإنسان الذي يتلقى تعليمًا جيدًا ثم يعاني من ضعف صحي مزمن لا يستطيع أن يقدم طاقته الإنتاجية كاملة، والذي يمتلك المعرفة ولا يمتلك المهارة التطبيقية يظل بعيدًا عن تحويلها إلى قيمة، والذي يمتلك المهارة ولا يجد مؤسسة تستخدمها يفقد جزءًا من قيمتها، والذي يعمل داخل مؤسسة تعاقب المبادرة ولا تكافئ الكفاءة قد يتعلم كيف يتكيف مع المؤسسة بدل أن يساهم في تطويرها.
ولهذا يمكن النظر إلى رأس المال البشري باعتباره منظومة متكاملة: تعليم جيد ينتج معرفة، وتدريب يحول المعرفة إلى مهارة، وصحة تمنح الإنسان القدرة على استخدامها، وبحث علمي يفتح المجال للابتكار، ومؤسسات كفؤة تحول هذه القدرات إلى إنتاج وقيمة مضافة، إنها ليست حلقات منفصلة، بل سلسلة واحدة، وأي ضعف جوهري في إحدى حلقاتها ينعكس على بقية السلسلة، ولهذا فإن الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إنفاق اجتماعي، وإنما باعتباره جزءًا من استثمار الدولة في قدرتها المستقبلية.
فالطفل الذي يتعلم جيدًا اليوم هو عامل أكثر إنتاجية غدًا، والطبيب أو المهندس أو الباحث الذي يحصل على تدريب جيد يمثل قدرة إنتاجية للمجتمع، والصحة الجيدة تعني سنوات أطول من المشاركة الاقتصادية، والبحث العلمي الناجح يمكن أن يتحول إلى تكنولوجيا وشركات وصادرات، ومن هنا تصبح قضية رأس المال البشري قضية اقتصادية بقدر ما هي اجتماعية، وقضية أمن قومي بقدر ما هي قضية تعليم.
والمشكلة ليست فقط في المهارات، وإنما في تحويلها إلى إنتاج، حيث تكتسب هذه الفكرة أهمية أكبر حين ننظر إلى العلاقة بين التعليم والإنتاجية، وهنا تظهر مشكلة أعمق من مجرد “جودة التعليم”: فجوة تحويل المعرفة إلى تطبيق (Knowledge Translation Gap).قد تنتج الجامعة معرفة، لكن لا تصل إلى المصنع، وقد تنتج مراكز البحث حلولًا، لكن لا تتحول إلى منتجات، وقد يتعلم الطالب مهارات حديثة، لكن سوق العمل لا يوفر له البيئة التي تستخدمها، وقد تنفق الدولة على التدريب، لكن التدريب لا يتصل باحتياجات القطاعات الاقتصادية الفعلية.
إن المشكلة إذن ليست فقط: كيف ننتج المعرفة؟ بل أيضًا: كيف ننقلها؟ وكيف نستخدمها؟ وكيف نحولها إلى إنتاج؟ وهذا هو السبب الذي يجعل إصلاح التعليم مشروعًا يتجاوز وزارة التعليم إلى الدولة كلها.
وكان شعار “التعليم للجميع” خطوة تاريخية ضرورية، لكنه لم يعد كافيًا وحده في عالم تغيرت فيه طبيعة العمل بسرعة، فالسؤال لم يعد فقط: هل حصل الإنسان على فرصة التعليم؟ وإنما: هل حصل على القدرة التي تمكنه من المشاركة الكاملة في الاقتصاد والمجتمع؟، إن اقتصاد المستقبل لا يكافئ بالضرورة من يعرف أكثر، وإنما من يستطيع أن يتعلم أسرع، ويحل المشكلات، ويتكيف مع التغيير، ويعمل مع الآخرين، ويستخدم التكنولوجيا، ويحوّل المعرفة إلى قرارات ومنتجات وخدمات، فتحول الشعار من “التعليم للجميع” إلى “القدرة للجميع”.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التحولات الرقمية وتغير تنظيم العمل يجعلان استخدام المهارات في مكان العمل عاملًا أساسيًا في تحسين الإنتاجية وجودة الوظائف، وليس مجرد توافر المهارات على الورق، وهذا يعني أن التعليم يجب أن ينتقل من منطق التعلم مرة واحدة إلى منطق التعلم مدى الحياة (Lifelong Learning). فالوظيفة نفسها تتغير، والتكنولوجيا تتغير، والمهنة التي تبدأ بها حياتك العملية قد لا تكون هي المهنة التي تنهي بها حياتك، ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن تمنحه المدرسة للإنسان ليس قائمة نهائية من المعلومات، وإنما القدرة على أن يتعلم من جديد كلما تغير العالم من حوله، وهنا تتقاطع فلسفة التعليم مع فلسفة الدولة الحديثة: الدولة القوية ليست الدولة التي تعرف الإجابات كلها، وإنما التي تمتلك مجتمعًا قادرًا على التعلم عندما تتغير الأسئلة.
والجامعة ليست محطة أخيرة ومن أخطر الاختزالات أن ننظر إلى الجامعة باعتبارها المرحلة الأخيرة في رحلة التعليم، بينما هي في الحقيقة بداية رحلة أكثر تعقيدًا نحو المعرفة المتخصصة والبحث والابتكار، فالجامعة التي تكتفي بتخريج أعداد كبيرة من حملة الشهادات قد تحقق هدفًا كميًا، لكنها لا تحقق بالضرورة هدفًا تنمويًا، أما الجامعة التي تربط التعليم بالبحث، والبحث بالصناعة، والصناعة بالمشكلة الاقتصادية، والمشكلة الاقتصادية بالحل العلمي، فإنها تصبح جزءًا من جهاز إنتاج القوة الوطنية.
وهنا ينبغي إعادة الاعتبار إلى العلوم الأساسية والاجتماعية والفلسفة والفنون، لا باعتبارها بديلًا عن التعليم المهني والتقني، وإنما باعتبارها جزءًا من تكوين الإنسان القادر على التفكير في العالم لا مجرد أداء وظيفة داخله، فالمهندس يحتاج إلى الرياضيات، لكنه يحتاج أيضًا إلى التفكير النقدي، والطبيب يحتاج إلى العلم، لكنه يحتاج كذلك إلى الأخلاق وفهم الإنسان، ورجل الأعمال يحتاج إلى الإدارة، لكنه يحتاج إلى القدرة على قراءة المجتمع، والباحث يحتاج إلى تخصصه، لكنه يحتاج إلى الخيال الذي يسمح له برؤية ما لم يُرَ بعد، إن الأخلاق والتفكير النقدي والإبداعي ليسا ترفًا ثقافيًا؛ إنهما من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد الحديث.
وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تبحث وتلخص وتترجم وتحلل وتكتب وتنتج صورًا وبرمجيات، ناهيك عن القدرات الفائقة للذكاء الاصطناعي، فما الذي ينبغي أن يتعلمه الإنسان؟، ليس الجواب هو المزيد من المعلومات التي تستطيع الآلة استرجاعها في ثوانٍ، وإنما ما يصعب اختزاله في مجرد استرجاع: صياغة الأسئلة، التحقق من المعلومات، التفكير النقدي، فهم السياق، الحكم الأخلاقي، الإبداع، التعاون، والقدرة على اتخاذ القرار في ظروف عدم اليقين.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يلغي التعليم، بل يعني أنه يجعل التعليم التقليدي أكثر احتياجًا إلى إعادة تعريف، ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد يصبح أخطر طالب هو الذي يعرف الإجابة ولا يعرف كيف يسأل، وأخطر خريج هو الذي يجيد استخدام الأداة ولا يفهم نتائج استخدامها، ومن هنا فإن المدرسة المستقبلية لا ينبغي أن تنافس الآلة في الحفظ، بل أن تعلم الإنسان ما يجعل استخدام الآلة أكثر ذكاءً ومسؤولية.
وإذا أردنا أن نحول الحوار حول التعليم من موسم إعلامي إلى مشروع وطني، فإن المطلوب ليس مجرد مؤتمر جديد أو جلسة حوارية إضافية، وإنما إعادة بناء فلسفة التعليم نفسها، فنحتاج إلى سؤال واضح: أي إنسان نريد أن نخرجه من منظومة التعليم المصرية بعد خمسة عشر عامًا؟
إنسانًا يحفظ؟ أم يفكر؟ موظفًا يبحث عن وظيفة؟ أم منتجًا يستطيع أن يخلق قيمة؟ خريجًا ينتظر سوق العمل؟ أم مواطنًا يستطيع أن يتكيف مع سوق عمل يتغير باستمرار؟ جامعة تمنح شهادة؟ أم مؤسسة تنتج معرفة؟ ومدرسة تنقل المنهج؟ أم مؤسسة تبني العقل والشخصية والقدرة؟
هذه الأسئلة ليست منفصلة عن الاقتصاد. فإذا كان البنك الدولي يقدّر أن نحو 1.3 مليون شاب مصري يدخلون سوق العمل سنويًا، بينما لا يُخلق في المتوسط سوى نحو نصف مليون وظيفة جديدة، فإن قضية التعليم لا يمكن فصلها عن قدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة وعن قدرة الشباب على امتلاك المهارات التي يحتاجها الاقتصاد، وهنا ينبغي أن تتغير زاوية النظر: لا يكفي أن ننتج خريجين؛ علينا أن ننتج قدرة اقتصادية تستطيع استيعابهم واستخدام مهاراتهم، وهذا يعيدنا إلى الحلقة التي كثيرًا ما تنقطع في سياسات التنمية: التعليم لا يصنع رأس المال البشري وحده، والاقتصاد لا يستطيع استخدام رأس المال البشري بكفاءة من دون مؤسسات جيدة، والمؤسسات لا تستطيع أن تصبح أكثر كفاءة من دون بشر قادرين على التعلم والتكيف والابتكار.
إنها دائرة متكاملة، لا ملفات حكومية منفصلة. ربما نحتاج، في النهاية، إلى إعادة صياغة مفهوم رأس المال البشري نفسه، والمعادلة التي ينبغي أن نبدأ منها: رأس المال البشري الفعلي = جودة التعليم × المهارة والتدريب × الصحة × القدرة على الابتكار × كفاءة المؤسسات × كفاءة استخدام المواهب.
هذه ليست معادلة اقتصادية بالمعنى الحسابي الدقيق، وإنما إطار فكري لفهم طبيعة التحول، واستخدام علامة الضرب هنا مقصود؛ لأن ضعف إحدى الحلقات يمكن أن يقلل أثر الحلقات الأخرى كلها، فما قيمة تعليم ممتاز إذا لم يجد الخريج فرصة لاستخدام مهارته؟ وما قيمة مهارة عالية إذا كانت المؤسسات غير قادرة على توظيفها؟ وما قيمة البحث العلمي إذا لم يجد طريقه إلى الصناعة؟ وما قيمة البنية التحتية إذا لم يمتلك الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها؟ وما قيمة الاقتصاد إذا لم يتحول نموه إلى فرص أوسع لبناء الإنسان؟
لهذا فإن الإنسان ليس نتيجة ثانوية للتنمية؛ إنه شرطها الأول وغايتها النهائية والأسمى في الوقت نفسه، ومن هنا يمكن أن نفهم جوهر المسألة التي أثارها الأستاذ أشرف راضي بصورة أعمق: الحوار المطلوب حول التعليم لا ينبغي أن يبدأ من سؤال “ما الذي سنغيره في النظام؟”، بل من سؤال “ما الإنسان الذي نريد أن نصنعه؟”.. فحين نجيب عن هذا السؤال، يمكن أن نعرف ماذا نعلم، وكيف نعلم، ومن نعلم، وكيف ندرب المعلم، وكيف نصمم الجامعة، وكيف نربط البحث بالصناعة، وكيف نبني سوق عمل يستوعب المهارات، وكيف نعيد توجيه الإنفاق العام والخاص نحو الاستثمار الحقيقي في الإنسان.
وعند ذلك يتحول إصلاح التعليم من سلسلة قرارات متفرقة إلى مشروع لبناء رأس المال البشري، وهنا تلتقي قضية التعليم مع قضية الجمهورية الجديدة في معناها الأوسع، فالدولة التي تبني الطرق والموانئ والمصانع والمدن تحتاج إلى الإنسان الذي يجعل هذه الأصول منتجة، والدولة التي تريد اقتصادًا أكثر تنافسية تحتاج إلى عقل قادر على الابتكار، والدولة التي تريد مؤسسات أكثر كفاءة تحتاج إلى مواطنين وموظفين ومديرين قادرين على التفكير والتعلم والتكيف، والدولة التي تريد قوة وطنية مستدامة لا يكفيها أن تمتلك الموارد؛ عليها أن تمتلك القدرة البشرية والمؤسسية على تحويلها إلى قيمة.
وهكذا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، ولكن بعد أن أصبح أكثر عمقًا: إذا كان التحدي الأول هو: ماذا تستطيع مصر أن تصنع بما تملك؟ فإن التحدي الأعمق هو: ماذا تستطيع مصر أن تصنع بالإنسان الذي تملك؟ فالمستقبل لا يُبنى بعدد السكان، ولا بعدد الشهادات، ولا بحجم الإنفاق وحده، المستقبل يُبنى حين يتحول الإنسان إلى معرفة، والمعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى قوة وطنية، وهنا تحديدًا يبدأ الانتقال الحقيقي من “كم نملك؟” إلى “كم نستطيع أن نصنع؟”؛ ومن “كمٍّ بشري” كبير إلى “كيفٍ بشري” قادر على إنتاج المستقبل.


















