تخيل أنك تعيش في مصر عام 1923، للمرة الأولى في تاريخ البلد، يؤسس دستور 23 إطار دستوري وقانوني للحياة الحزبية، ليكرس حق الناس في تكوين الأحزاب، والتنافس في انتخابات حقيقية، وأن يُرسلو نواباً يتكلمون باسمهم في برلمان حقيقي، كان الأمل كبيراً — والتاريخ كان يُكتب.
فا بموجب دستور يحمي هذه الحقوق، بعدما كانت الحياة الحزبية قائمة بالفعل واقعيا من عام 1907، دون هذا السند الدستوري، وكانت المجالس السابقة استشارية محدودة الصلاحيات، أصبحت السلطة التشريعية حقيقية.
مئة عام مرت منذ ذلك اليوم وعبر هذه المئة سنة شهدت مصر تجارب حزبية ثرية ومتقلبة: أحزاب نضالية انتزعت الاستقلال، وتنظيمات سياسية حكمت باسم الثورة، وأحزاب معارضة ناضلت في ظل قيود، وموجة تعددية انفجرت بعد يناير، ومشهد راهن يسعى إلى إرساء استقرار، هذه السلسلة رحلة في هذا التاريخ — لا لتمجيده ولا لإدانته، بل لفهمه.
البداية: دستور 1923 وولادة التجربة الديمقراطية
لم يكن دستور 1923 هبةً من السماء، جاء بعد ثورة 1919 الشعبية التي هزّت الاحتلال البريطاني، وبعد مفاوضات شاقة قادها سعد زغلول وقيادات الحركة الوطنية، وللمرة الأولى، أصبح لمصر نظام برلماني يعترف بحق تكوين الأحزاب والتنافس على الحكم.
كان المشهد في البداية حيويا: حزب الوفد بقيادة سعد زغلول يحمل أحلام الاستقلال ويحظى بتأييد شعبي واسع من الفلاحين والمثقفين والتجار على حدٍّ سواء.
في مواجهته، حزب الأحرار الدستوريين الذي انشق عن الوفد ومثّل النخب والطبقات الأرستقراطية التي آثرت التحالف مع القصر الملكي، ثم أحزاب الشعب والاتحاد التي ارتبطت بالقصر وكانت أداةً لموازنة نفوذ الوفد.
الصراع الثلاثي الذي أربك المشهد
لو كانت الديمقراطية صراعاً بين الأحزاب فقط، ربما كانت التجربة ستنضج أسرع، لكن مصر كانت تعيش تحت ضغط ثلاثي: القصر الملكي الذي يتدخل بحلّ البرلمانات وتعيين الحكومات متى شاء، والاحتلال البريطاني الذي يفرض شروطه ولا يتردد في التدخل المباشر — وخير مثال على ذلك حادثة فبراير 1942 حين أحاطت الدبابات البريطانية بقصر عابدين لإجبار الملك فاروق على تكليف النحاس بتشكيل الحكومة — وبين هذين القطبين، الأحزاب التي تحاول أن تحكم وسط كل هذا.
النتيجة كانت عدم استقرار مُذهل: أكثر من ثلاثة وثلاثين حكومة في ثلاثين عاما، البرلمان يُحلّ ويُعاد، الأحزاب تنتخب ثم تُقصى، ورغم كل ذلك، كان هناك شيء حقيقي: نقاشات برلمانية فعلية، قوانين تُصاغ، وأصوات معارضة تُسمع.
من بنى مصر السياسية في تلك الحقبة؟
الوفد هو الأقوى بلا شك، لكن المشهد كان أوسع: تيارات يسارية وشيوعية نشطت في الأوساط النقابية والجامعية، وجماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 ولم تُسجَّل حزباً سياسياً لكن نفوذها تجاوز كثيراً من الأحزاب الرسمية. كان المشهد السياسي متنوعاً — ربما أكثر مما تعتقد.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التعددية كانت مقيّدة اجتماعياً: المرأة لم يكن لها حق التصويت، وشريحة المشاركين في الحياة السياسية كانت محدودة، لكن ضمن هذه الحدود، كانت هناك تجربة برلمانية حقيقية تعلّمت منها أجيال من السياسيين والمشرّعين.
لماذا انتهت هذه التجربة؟
لم تنتهِ التجربة الليبرالية بضربة واحدة، تراكمت الأزمات: الهزيمة في حرب 1948 وما خلفته من صدمة وطنية عميقة، والفساد الذي نخر الأحزاب، والفرق الشاسع بين النخب السياسية وهموم الغالبية من المصريين، وإخفاق الأحزاب في تحقيق الاستقلال الكامل عن بريطانيا.
حين جاء الضباط الأحرار في يوليو 1952، لم يجدوا مقاومة شعبية تُذكر — بل وجدوا كثيراً ممن رحّبوا بالتغيير.
هذا لا يعني أن التجربة كانت فاشلة، العكس صحيح: مئة عام بعدها، لا يزال دستور 1923 ومؤسساته مرجعاً في الذاكرة السياسية المصرية، الأحزاب التي نشأت في تلك الحقبة خرجت كوادر قيادية، وأرست تقاليد برلمانية، وأنتجت نقاشاً فكرياً لا يزال يُلقي بظلاله حتى اليوم.
المقال القادم: ثورة يوليو وحلم الحزب الواحد — ماذا ربح المصريون وماذا خسروا؟




















