في الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن الابتعاد عن الآخرين والعزلة يعني وجود مشكلة في العلاقات أو في التواصل، قد تكون العزلة في بعض الأحيان احتياجًا نفسيًا طبيعيًا يساعد الإنسان على استعادة هدوئه وترتيب أفكاره ومشاعره.
وقد يجد الشخص نفسه، رغم حبه لأسرته وأصدقائه والمقربين منه، في حاجة إلى قضاء بعض الوقت بمفرده، بعيدًا عن المكالمات والرسائل والضوضاء والالتزامات الاجتماعية، وهو أمر لا يعني بالضرورة أنه يشعر بالوحدة أو يرفض من حوله.
لماذا نحتاج للعزلة أحيانًا؟
وأوضح الدكتور محمد عبد الغفور أخصائي نفسي في تصريحات خاصة لموقع الحرية أن العزلة الاختيارية تختلف عن الشعور بالوحدة؛ فقد يكون الشخص بمفرده ويشعر بالراحة والسلام النفسي، بينما يمكن لشخص آخر أن يكون وسط مجموعة من الأشخاص ومع ذلك يشعر بالوحدة والانفصال عن الآخرين.
وأضاف أن الحاجة إلى العزلة تأتي أحيانًا نتيجة الرغبة في الحصول على مساحة هادئة بعيدًا عن الضغوط اليومية، خاصة بعد يوم طويل مليء بالعمل أو الدراسة أو التعامل المستمر مع الآخرين.
كما يمكن أن تمنح العزلة الإنسان فرصة للتفكير في مشاعره، ومراجعة بعض المواقف، واتخاذ قراراته بعيدًا عن تأثير الآخرين، إلى جانب الاسترخاء واستعادة قدر من الهدوء النفسي.
هل العزلة تعني أننا لا نحب الآخرين؟
وأشار الطبيب إلى أن الحاجة إلى بعض الوقت بمفردنا لا تعني عدم حب الأشخاص الموجودين في حياتنا، وإنما قد تعكس اختلاف احتياجاتنا النفسية وقدرتنا على تحمل التفاعل الاجتماعي.
كما قد يحتاج شخص إلى ساعات من الهدوء بعد يوم اجتماعي طويل، بينما يفضل شخص آخر البقاء وسط الآخرين معظم الوقت. ولا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع فيما يتعلق بالوقت الذي يحتاجه الإنسان بمفرده.
لافتا إلى أن أبحاث علم النفس تشير أيضا إلى أن قضاء الوقت في العزلة يمكن أن يكون له جوانب إيجابية، من بينها توفير مساحة للراحة والتأمل وتنظيم المشاعر، خاصة عندما تكون العزلة اختيارية ومؤقتة.

ما الفرق بين العزلة و الوحدة؟
وأوضح الطبيب أن من أكثر الأمور التي يحدث بينها خلط العزلة والوحدة فالعزلة قد تكون قرارًا اختياريًا، يشعر خلاله الإنسان بالراحة أثناء وجوده بمفرده، بينما الوحدة ترتبط بالشعور بعدم وجود اتصال اجتماعي أو عاطفي كافٍ، وقد يشعر الإنسان بالوحدة حتى وهو محاط بالآخرين.
كما أن الجمعية الأمريكية لعلم النفس وضحت أن الوحدة ترتبط بالشعور بالانفصال الاجتماعي، وقد تكون مرتبطة بزيادة احتمالية ظهور أعراض مثل الاكتئاب والقلق وتراجع الرفاه النفسي.
لذلك، فإن مجرد الجلوس بمفردك لا يعني أنك تعاني من الوحدة، كما أن حبك للعزلة لفترة قصيرة لا يعني تلقائيًا وجود اضطراب نفسي.
متى تكون العزلة مفيدة؟
وأشار الطبيب إلى أن العزلة يمكن أن تكون مفيدة عندما تكون اختيارية ومؤقتة، ولا تمنع الإنسان من ممارسة حياته الطبيعية أو الحفاظ على علاقاته المهمة.
ومن أبرز صور العزلة الصحية:
الحصول على وقت هادئ بعد يوم مليء بالضغوط.
ممارسة هواية فردية.
التفكير في القرارات والمشكلات بعيدًا عن الضوضاء.
أخذ فترة قصيرة للراحة واستعادة الطاقة.
الابتعاد مؤقتًا عن مصادر التوتر.
تخصيص وقت للتأمل أو القراءة أو المشي بمفردك.
وفي هذه الحالة، تكون العزلة وسيلة للراحة وإعادة التوازن، وليست هروبًا دائمًا من الآخرين.
متى تتحول العزلة إلى أمر يستحق الانتباه؟
وقال الطبيب إن المشكلة لا تكمن في الرغبة في قضاء بعض الوقت بمفردك، وإنما في التحول المستمر من التواصل إلى الانسحاب.
لافتا إلى أن الأمر يستحق الانتباه إذا بدأ الشخص في تجنب أسرته وأصدقائه بشكل متكرر، أو فقد الرغبة في الأنشطة التي كان يستمتع بها، أو أصبح يشعر بالحزن والقلق لفترات طويلة، أو أصبحت العزلة تؤثر على العمل أو الدراسة أو العلاقات.
كما أن المراجعات العلمية تشير إلى وجود ارتباط بين الوحدة والعزلة الاجتماعية وبعض مشكلات الصحة النفسية، مع التأكيد على أن العلاقة بين هذه العوامل ليست دائمًا علاقة سببية مباشرة؛ فقد تؤثر المشكلات النفسية أيضًا في رغبة الشخص في الانسحاب من الآخرين.




















