في السياسة، لا شيء يحدث بالمصادفة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدول تعرف جيدًا كيف تدير رسائلها في الظل قبل العلن. توقيت الإعلان عن الزيارة السرية التي قام بها نتنياهو إلى أبوظبي، مباشرة بعد زيارة الرئيس السيسي، لم يكن مجرد تتابع أخبار عابر، بل أقرب إلى رسالة سياسية مكتملة الأركان، صيغت بعناية، وأُطلقت في لحظة محسوبة بدقة.
المشهد كله بدا وكأنه محاولة متعمدة لإعادة رسم الصورة أمام الرأي العام العربي: “نحن جميعًا في خندق واحد”، لا فرق بين من يرفض ومن يناور، ولا بين من يحافظ على مسافة سياسية وبين من فتح الأبواب على مصاريعها. هذه هي الزاوية التي يريدون للناس أن ينظروا منها، حتى تختلط الأوراق، وتتساوى المواقف، وتذوب الفوارق الأخلاقية والسياسية داخل ضباب كثيف من الرسائل الموجهة.
لكن المتابع الجيد يعرف أن التوقيت هنا أهم من الحدث نفسه. فالإعلان لم يكن هدفه أبوظبي وحدها، بل القاهرة أيضًا. هناك من أراد إحراج مصر، ووضعها داخل صورة جماعية مفروضة، رغم اختلاف الحسابات والمواقف وطبيعة التحركات. وكأن المطلوب هو صناعة انطباع عام بأن الجميع يتحرك وفق إيقاع واحد، وتحت سقف تفاهمات واحدة، حتى لو كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
سياسة الالتباس واللعب على الأعصاب
هذا النوع من “الشغل” ليس جديدًا في المنطقة. إنه أسلوب قديم قائم على صناعة الالتباس، وإدارة الرأي العام عبر الإيحاء لا التصريح. تُترك التفاصيل غامضة عمدًا، ويُلقى بالخبر في توقيت قاتل، ثم يُترك الناس ليبنوا الاستنتاجات التي يراد لهم أصلًا أن يصلوا إليها. إنها سياسة اللعب على الأعصاب، لا على الوقائع فقط.
والأخطر من ذلك، أن هذه الرسائل لا تُوجَّه للشعوب وحدها، بل للدول نفسها. كأن هناك من يقول للقاهرة: “أنتم لستم بعيدين عن المشهد الذي نحاول تشكيله”، حتى لو كانت مصر تحاول الاحتفاظ بموقع مختلف أو بحسابات أكثر حساسية تجاه القضية الفلسطينية وتداعياتها الإقليمية.
في النهاية، المنطقة لم تعد تُدار فقط بالاتفاقات والتحالفات المعلنة، بل أيضًا بالحروب النفسية وتسريب الرسائل واختيار اللحظة المناسبة للطعن المعنوي. لم يعد السلاح دائمًا دبابة أو طائرة، أحيانًا يكون “توقيت خبر”. ولذلك، فقراءة السياسة اليوم تحتاج إلى ما هو أبعد من متابعة العناوين. تحتاج إلى فهم من المستفيد من كل تسريب، ولماذا الآن تحديدًا، ومن الذي يراد وضعه في زاوية حرجة أمام شعبه وأمام المنطقة. أما الباقي، فهو ذلك النوع من “شُغل أحفاد إبلبيس” الذي يُتقِن أصحابه السير بين الظلال، بينما يتركون الآخرين يتصارعون مع الشكوك والانطباعات.





















