كان لحديث الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة رسالة مباشرة وصريحة، تحمل قدراً كبيراً من الوضوح والحسم وتعيد تعريف معنى المنصب والمسئولية داخل الدولة المصرية بعيداً عن الكلمات البروتوكولية والعبارات الإنشائية التي تُقال في المناسبات الرسمية
حين يقول الرئيس أن «المنصب ليس وقتاً سعيداً» فإنه يهدم ثقافة قديمة نظرت إلى المواقع القيادية باعتبارها امتيازاً شخصياً أو غاية بذاتها ويضع تعريفاً واضحاً للمنصب بوصفه تكليفاً ثقيلاً ومسئولية يومية تتطلب العمل الدائم وخدمة الوطن.
يبرز في حديث الرئيس معيار صارم يجعل كل مسئول يقف أمام مرآة ضميره دون مواربة: هل يعرف مؤسسته حق المعرفة؟ هل يدرك مشكلاتها الحقيقية أم يكتفي بالتقارير المكتبية؟ هل يملك إرادة الإصلاح أم يفضل السلامة والركود؟
تناول الرئيس ظاهرة «المسئول الغائب» الذي يتواجد في المنصب دون حضور حقيقي ويترك مؤسسته تواجه التآكل الداخلي في ظل غياب المتابعة والإصلاح.
والسؤال الذي طرحه الرئيس ضمنياً وعلينا أن نعيد طرحه بجرأة هو ما الذي قدمه كل مسئول لموقعه؟ وماذا ترك خلفه؟ وهل عمل على صناعة جيل جديد قادر على الاستمرار أم اكتفى بإدارة الوقت حتى نهاية فترته؟
الخطر الحقيقي على الدول يبدأ حين يسود الفراغ الإداري وتتراجع الرؤية ويتحول المنصب إلى مقعد بلا أثر. من هنا جاءت دعوة الرئيس لكل مسئول لمراجعة دوره وأدائه انطلاقاً من الحرص على إنقاذ الدولة من الترهل الإداري.
حديث الرئيس في عيد الشرطة كان بمثابة تفويض شعبي وأخلاقي للمحاسبة ورسالة دعم لكل مسئول شريف يعمل بضمير وتحذير واضح لمن لا يؤدي دوره بأن الرحيل أكرم من البقاء بلا إنجاز.
في دولة تخوض معركة بناء وتنمية لا مكان لمن لا يجيد العمل ولا وقت لمن لا يفهم حجم التحدي فالوطن يحتاج صُنّاع إنجاز ويحتاج عقولاً متحركة وضمائر حية قادرة على تحويل المواقع إلى فعل حقيقي والوجود إلى أثر، وهنا تصبح الرسالة الرئاسية واضحة لا لبس فيها
إما أن تكون على قدر الأمانة.. أو تترك المكان لمن هو أقدر على حملها.





















