كتب: محمود صبري
تحت أعقاب نزاعات ضارية لم تضع أوزارها بالكامل، واتفاقات تُوقَّع على الورق وتُعاد صياغتها ميدانيًا بتعنت المُحتل، تظل قراءة المشهد الإسرائيلي ـ الفلسطيني بحاجة إلى قراءة وتحليل عميق يقوده نخبة من المختصين في هذا الشأن المحتدم.
وفي هذا الصدد، تبرز الكاتبة الصحفية وباحثة الماجستير في الشأن الإسرائيلي «إنجي بدوي» -خريجة آداب قسم اللغة العبرية- كأحد الأصوات التحليلية التي تتابع التحولات الإسرائيلية من داخل العقل السياسي والأمني لتل أبيب، مستندة إلى الإعلام العبري والوثائق الرسمية وخبراتها الجلية في هذا الإطار.
في حديثها مع «الحرية» تفتح إنجي ملفات شديدة الحساسية، تتعلق بانحراف إسرائيل عن نص اتفاق وقف الحرب، ودلالات «الخط الأصفر»، ومخاطر إعادة إنتاج سيناريو التهجير، إلى جانب مستقبل إدارة غزة بعد الحرب، والدور المصري في موازنة التعقيدات الإقليمية والدولية.
• دلالات عدم الانسحاب الإسرائيلي إلى الخط الأصفر
استهلت الباحثة في الشأن الإسرائيلي «إنجي بدوي» حديثها لـ«الحرية» بالتأكيد على أن ما يُسمى بالخط الأصفر لم يكن في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار خطًا أمنيًا بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى أداة قتل وتشريد، قائلة: «الخط الأصفر خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار لم يكن خطًا أمنيًا، بل أداة قتل وتشريد، الاقتراب منه كلف عشرات الفلسطينيين حياتهم، وتسبب في تهجير جماعي، وحصر أكثر من مليوني إنسان في مساحة ضيقة بين الركام والأمطار وغرق الخيام، ما خلق حالة ذعر جماعي مقصودة».
وأضافت: «إن التعنت الإسرائيلي في الانسحاب يعكس نمطًا ثابتًا في السلوك الإسرائيلي، يقوم على إعادة تفسير الاتفاقات وفق ما تسميه تل أبيب “الاحتياجات الأمنية”، وليس وفق الالتزامات القانونية أو السياسية». موضحة أن «إسرائيل ربطت الانسحاب بنزع سلاح حماس، كما فعلت سابقًا في ملفات أخرى مثل جثة الأسير الأخيرة ران وفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني».
وتابعت: «الانسحاب ـ حال تم ـ فلن يكون كليًا، بل تدريجيًا باتجاه الشرق نحو الأراضي المحتلة، وهناك وسائل إعلام عبرية نشرت أن إسرائيل ستتصرف وفق ما تراه مناسبًا في حال عدم نزع السلاح، فتل أبيب تمنح نفسها صلاحيات إعادة تفسير الاتفاق وفق مصالحها الأمنية، لا السياسية، خاصةً في ظل احتمالات فتح جبهات متعددة في حال اندلاع حرب مع إيران».
وحول النوايا الحقيقية للكيان في هذا الصدد، أكدت بدوي أن «إسرائيل تتعامل مع الاتفاقات بشكل شكلي فقط، بينما على أرض الواقع تسعى؛ لإعادة هندسة الحدود».
وتوقعت بدوي بأن الاحتلال الكامل لغزة قد لا ينتهي، بل قد يتحول إلى انسحاب تدريجي أو تقليص للمساحة المحتلة، أو فرض مناطق نفوذ أمني على غرار ما يحدث في الضفة الغربية، مع احتمالات إنشاء مناطق عازلة تتحول لاحقًا إلى مستوطنات تحت ذرائع أمنية.
• رفض مصر القاطع لمخططات التهجير
وعن التباين بين الموقف المصري والطرح الإسرائيلي المتكرر بشأن تهجير سكان غزة، أكدت إنجي بدوي لـ«الحرية» أن القاهرة نجحت بالفعل في إجهاض هذا المشروع، مشددة على أن «إسرائيل لن تستطيع فرض هذا السيناريو في ظل الموقف المصري الصلب».
وأشارت إلى أن «مصر لعبت دورًا محوريًا في اعتراف عدد من الدول الأوروبية بدولة فلسطين، فمطلب القاهرة كان ولا يزال إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما بات يحظى بتأييد أوروبي متزايد، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بنزع السلاح».
وأضافت: «القاهرة استطاعت توحيد الفصائل الفلسطينية وتشكيل لجنة؛ لإعمار غزة، ورفضت شرطًا إسرائيليًا يمنح تل أبيب حق الاعتراض على عودة بعض الفلسطينيين الذين غادروا غزة للعلاج أو الدراسة».
وأردفت بدوي أن إسرائيل «كانت تحلم بالتحكم في معبر رفح؛ لفرض سيناريو تهجير جديد، عبر منع عودة أعداد كبيرة من الفلسطينيين، بما يؤدي إلى إسقاط حق إقامة الدولة الفلسطينية، وهو مخطط تتبناه الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية، لكنه فشل حتى الآن».
ورغم ذلك، حذرت بدوي من مخاطر حقيقية؛ لإعادة طرح هذا السيناريو مستقبلًا، في ظل المحاولات الإسرائيلية المستمرة؛ لتغيير الوقائع الديموغرافية، إذ شددت على أن «الإصرار الفلسطيني على العودة، والتحركات الدبلوماسية لتنسيق عودة الآلاف إلى غزة، يمثلان عائقًا حقيقيًا أمام هذا المخطط في الوقت الراهن».
• اللجنة الانتقالية وإدارة غزة بعد الحرب
وحول النقاشات الدبلوماسية بشأن تشكيل لجنة انتقالية؛ لإدارة شؤون غزة، رأت إنجي بدوي أن هذه اللجنة يمكن أن تلعب دورًا مؤثرًا في إدارة الأزمة الإنسانية العاجلة، خاصة في ملفات الإغاثة، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، وتنسيق دخول المساعدات.
وأوضحت: «إن نجاح اللجنة مرهون بحصولها على غطاء فلسطيني واسع، ودعم إقليمي ودولي حقيقي، وستواجه بكل تأكيد صعوبات جمة من الجانب الإسرائيلي، حتى في ظل غياب حماس التي تمثل ميزان قوة في المعادلة».
وتابعت: «هذا السيناريو قد يحول غزة إلى منطقة إغاثية بلا سيادة حقيقية، وهو ما تسعى بعض الأطراف إلى تكريسه، الأمر الذي يضع مسؤولية وطنية كبيرة على اللجنة في الحفاظ على دورها تجاه الشعب الفلسطيني».
الدور الأمريكي والمصري خلال المرحلة المقبلة
وفي ختام حديثها مع «الحرية»، أكدت إنجي بدوي أن «إعادة تعريف الخط الأصفر كحد أمني دائم يثير مخاوف حقيقية لدى الفلسطينيين، لأنه يكرس واقع احتلال جزئي أو كلي، وقد يحول غزة إلى نموذج شبيه بالضفة الغربية، التي تعاني من ظروف قسرية نتيجة اقتحامات الاحتلال المتكررة».
وأشارت إلى أن «الإدارة الأمريكية تميل إلى دعم استقرار وقف النار وتقليل التصعيد، لكنها لا تبدو مستعدة لممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لفرض انسحاب كامل أو ضمان حقوق الفلسطينيين السيادية».
واختتمت بدوي حدثيها بالتأكيد على إيجابية الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية والذي يظل حجر الزاوية في هذه المعادلة، باعتباره وسيطًا قويًا ومؤثرًا، يحقق توازنًا دقيقًا بين دعم جهود السلام بقيادة واشنطن، والتمسك بالموقف العربي الثابت القائم على إقامة دولة فلسطينية بحدود 1967، والحفاظ على حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم.





















