لم يعد انتقال محمد صلاح من نادٍ إلى آخر خبرًا رياضيًا عاديًا.
فالرجل، بعد سنوات طويلة في قمة كرة القدم الأوروبية، لم يعد مجرد لاعب يسجل الأهداف، وإنما أصبح علامة عالمية، وصورة لمصر، ورأسمالًا معنويًا واقتصاديًا يتحرك معه أينما ذهب.
لذلك، عندما انتقل محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي بعقد يمتد لعامين، لم ينتقل لاعب فقط من إنجلترا إلى تركيا، بل تحركت معه ملايين العيون، وملايين المتابعين، وقيمة تجارية وإعلامية يصعب قياسها بمجرد قيمة عقد أو راتب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة من كرة القدم نفسها:
ماذا يمكن أن يفعل محمد صلاح لنادٍ، ولمدينة، وربما للعلاقة بين شعبين؟
طرابزون ليست إسطنبول.
وهذه، في رأيي، هي النقطة الأكثر إثارة في الصفقة.
فلو انتقل صلاح إلى أحد عمالقة إسطنبول، لكان الخبر كبيرًا بالطبع، ولكنه كان سيضاف إلى مدينة عالمية تمتلك أصلًا السياحة والإعلام والاستثمارات الدولية.
أما انتقال نجم بحجم محمد صلاح إلى طرابزون، المدينة الواقعة على البحر الأسود، فإنه يستطيع أن يغير مركزها على الخريطة الذهنية لملايين البشر.
فجأة سيبحث المصريون والعرب عن طرابزون.
أين تقع؟
كيف نصل إليها؟
ماذا يمكن أن نزور فيها؟
متى يلعب صلاح؟
وكم تكلف رحلة لحضور مباراة له؟
وهنا تبدأ كرة القدم في التحول إلى اقتصاد.
ولم نعد نتحدث عن مدينة مجهولة سياحيًا أو تبحث عن بداية. فطرابزون استقبلت خلال عام 2025 نحو 1.45 مليون زائر، منهم أكثر من 808 آلاف سائح أجنبي، بزيادة قاربت 14% عن العام السابق، وجاء هؤلاء الزوار من 188 دولة. كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية السياحية في المدينة إلى نحو 36 ألف سرير. أي أن البنية السياحية موجودة بالفعل، ويأتي صلاح ليضيف إليها قوة جذب جديدة مختلفة تمامًا: السياحة المرتبطة بالرياضة والشهرة العالمية.
وفي هذه الحالة، لا يستفيد النادي وحده.
الفندق يستفيد.
والمطعم يستفيد.
وشركة الطيران تستفيد.
وسائق سيارة الأجرة يستفيد.
والمحال التجارية تستفيد.
والمدينة نفسها تكتسب إعلانًا عالميًا قد يصعب شراء مثله بحملة سياحية تقليدية.
لكن التأثير الاقتصادي الأكثر مباشرة يظهر بالطبع في النادي نفسه.
فقميص يحمل اسم SALAH لا يباع فقط لمشجعي طرابزون سبور، وإنما يمكن أن يصل إلى القاهرة والإسكندرية ودبي والرياض ولندن ومدن أخرى لم يكن فيها اسم النادي التركي جزءًا من الحديث الرياضي اليومي.
وتكتسب حقوق البث أهمية أكبر، وتدخل حسابات النادي على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أسواق جديدة، ويرتفع اهتمام الرعاة، كما يمكن أن تزيد قيمة المباريات الودية والجولات الخارجية والمنتجات التجارية.
واللافت أن اقتصاد الصفقة بدأ يظهر حتى قبل أن يسجل صلاح هدفًا واحدًا.
فشركة طرابزون سبور الرياضية مدرجة في بورصة إسطنبول تحت رمز TSPOR، ونحو 48.93% من أسهمها متاح للتداول الحر، بينما يحتفظ النادي بنحو 51% من رأس المال.
أي أننا لا نتحدث فقط عن انطباعات جماهيرية، وإنما عن شركة تستطيع الأسواق أن تقيس قيمتها لحظة بلحظة.
ومع تصاعد أخبار الصفقة تحرك سهم النادي صعودًا، بما عكس توقع المستثمرين أن وجود صلاح يمكن أن يضيف قيمة تجارية تتجاوز ما يحدث داخل الملعب.
وهنا يصبح الأمر أكثر دلالة.
فالسوق، في الحقيقة، لا يشتري أهداف محمد صلاح المستقبلية فقط؛ إنه يشتري توقعًا لما يستطيع اسمه أن يصنعه.
والعقد نفسه يوضح هذه الفكرة بصورة ربما تكون أبلغ من أي تحليل اقتصادي.
فصلاح سيحصل، وفق تفاصيل الصفقة المنشورة، على نحو 17 مليون يورو في الموسم، بالإضافة إلى مكافآت، لكن اللافت بصورة خاصة هو حصوله على 20% من عائد المنتجات التي تحمل اسمه.
هذه النسبة تقول الكثير عن اقتصاد كرة القدم الحديثة.
فالنادي لا يتعاقد فقط مع قدم لاعب، وإنما مع علامة تجارية عالمية.
وصلاح، في المقابل، لم يعد يتقاضى أجرًا فقط مقابل الجري والتسجيل وصناعة الأهداف، ولكنه يصبح شريكًا في القيمة الاقتصادية التي يصنعها اسمه.
وهذا ما يمكن أن نسميه «اقتصاد الشهرة».
فالقيمة لم تعد فقط فيما ينتجه الإنسان مباشرة، وإنما فيما يولده وجوده حوله من نشاط اقتصادي.
وإذا كان الإعلان عن الصفقة وحده قادرًا على تحريك الاهتمام بالأسهم والمنتجات ووسائل الإعلام، فالسؤال الحقيقي هو:
ماذا يمكن أن يحدث إذا نجحت التجربة رياضيًا؟
ماذا سيحدث لمبيعات القمصان؟
ولحقوق البث في مصر والعالم العربي؟
ولعقود الرعاية؟
ولعدد متابعي النادي على المنصات الرقمية؟
وللسياحة إلى مدينة طرابزون نفسها؟
وهناك بعد آخر للموضوع أراه أكثر أهمية.
ماذا يمكن أن يفعل محمد صلاح للعلاقة المصرية التركية؟
العلاقات بين الدول تُدار رسميًا بواسطة الرؤساء والحكومات ووزارات الخارجية والسفراء، لكن العلاقات بين الشعوب لا تصنعها السياسة وحدها.
أحيانًا يصنعها فيلم.
وأحيانًا مسلسل تلفزيوني.
وأحيانًا مطرب.
وأحيانًا لاعب كرة قدم.
لقد مرت العلاقات المصرية التركية خلال العقد الماضي بفترة طويلة من التوتر السياسي، قبل أن تبدأ عملية واضحة لإعادة بناء العلاقات.
واليوم لم يعد هذا التقارب مجرد تعبير دبلوماسي.
فحجم التجارة بين البلدين يدور حول 8 إلى 9 مليارات دولار سنويًا، وأصبح الهدف المعلن من قيادتي البلدين الوصول به إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028.
كما أن مصر تعد أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا، بينما تقترب الاستثمارات التركية في مصر من 4 مليارات دولار.
وهذه أرقام تقول إن المصالح بدأت بالفعل في إعادة بناء الجسر السياسي.
لكن الاتفاقيات الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها، تحتاج إلى شيء آخر أكثر عمقًا واستمرارًا:
أن يشعر الشعبان بالقرب من بعضهما البعض.
وهنا يستطيع محمد صلاح أن يؤدي دورًا لا يستطيع أداءه أي بيان دبلوماسي.
حين يهتف عشرات الآلاف من الأتراك باسم لاعب مصري، فإن شيئًا صغيرًا ولكنه مهم يتغير في الصورة الذهنية عن مصر.
وحين يجلس ملايين المصريين أسبوعيًا لمشاهدة فريق تركي، فإن تركيا نفسها تدخل بيوتهم من باب مختلف تمامًا عن السياسة.
سيتعلم المصريون أسماء لاعبين أتراك ومدن تركية، وسيتابعون الدوري التركي، وربما يسافر بعضهم لحضور المباريات.
وفي الاتجاه الآخر، سيرتبط اسم مصر عند جمهور تركي واسع بشخص يحبونه وينتظرون أهدافه.
وهذه هي القوة الناعمة في أبسط صورها وأقواها.
إنها لا تقول للناس:
أحبوا مصر.
بل تجعلهم يحبون مصريًا، ومن خلاله يقتربون من مصر.
ولا تقول للمصريين:
اقتربوا من تركيا.
بل تجعل ملايين منهم ينتظرون مساء السبت أو الأحد ليروا ماذا فعل صلاح في طرابزون.
وهنا قد تبدأ فرص تتجاوز الرياضة.
لماذا لا تتحول هذه اللحظة إلى موسم سياحي مصري–تركي؟
ولماذا لا تُنشأ برامج سياحية مرتبطة بمباريات طرابزون سبور؟
ولماذا لا نرى رحلات جوية تستفيد من الطلب الجديد إذا ثبت وجوده؟
ولماذا لا تنظم لقاءات بين أكاديميات كرة القدم المصرية والتركية؟
أو برامج للشباب؟
أو مباريات خيرية؟
أو مبادرات ثقافية وتعليمية تستفيد من هذه اللحظة الشعبية؟
فالقوة الناعمة تصبح أكثر قيمة عندما تتحول من مشاعر إلى مؤسسات، ومن إعجاب إلى تعاون.
ولعل التوقيت نفسه يحمل فرصة.
ففي فبراير 2026 وقعت مصر وتركيا، في إطار مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، مذكرات تفاهم في مجالات متعددة كان من بينها الشباب والرياضة إلى جانب التجارة والاستثمار والصحة والزراعة.
أي أن الجسر الرسمي موجود.
ثم جاء محمد صلاح ليمنحه وجهًا بشريًا وجماهيريًا.
والتاريخ مليء بأمثلة تثبت أن الثقافة والرياضة تستطيعان أحيانًا فتح أبواب أغلقتها السياسة.
الدبلوماسية التقليدية تعمل غالبًا من أعلى إلى أسفل:
الحكومات تتفق، ثم تحاول أن تنتقل آثار الاتفاق إلى الشعوب.
أما الرياضة فقد تفعل العكس:
تبدأ من الناس وتصعد إلى السياسة.
ويسمى ذلك أحيانًا الدبلوماسية الرياضية – Sports Diplomacy.
لكن محمد صلاح يضيف إليها شيئًا آخر.
فهو لا يحمل فقط جواز سفر مصريًا، وإنما يحمل قصة مصرية يفهمها العالم:
شاب خرج من قرية مصرية صغيرة ووصل إلى قمة كرة القدم العالمية، وبقي مرتبطًا ببلده ولغته واسمه وهويته.
ولهذا فإن انتقاله إلى تركيا يحمل فرصة تتجاوز بكثير المستطيل الأخضر.
قد يستفيد طرابزون سبور من الأهداف.
وقد تستفيد أسهم الشركة من التوقعات.
وقد تستفيد المدينة من السياحة.
وقد يستفيد الدوري التركي من المشاهدة.
وقد تستفيد الشركات من التجارة والإعلانات.
وقد تستفيد العلاقات المصرية التركية من مساحة جديدة من الود الشعبي.
لكن المكسب الأكبر ربما لا يظهر في ميزانية النادي ولا في مؤشر البورصة.
سيظهر عندما يصبح طفل تركي يرتدي قميصًا كتب على ظهره:
SALAH
وعندما يجلس طفل مصري أمام التلفزيون يشجع فريقًا من مدينة تركية ربما لم يكن يعرف اسمها من قبل.
في تلك اللحظة تحدث السياسة من دون سياسيين.
ويعمل الاقتصاد من خلال المشاعر.
وتبدأ الدبلوماسية من مدرج كرة القدم.
إن انتقال محمد صلاح إلى طرابزون قد يكون صفقة رياضية ناجحة أو غير ناجحة؛ فهذا سيحكم عليه الملعب والنتائج.
أما خارجه، فقد بدأت بالفعل قصة أكبر:
لاعب مصري انتقل إلى مدينة على البحر الأسود، وحمل معه جسرًا غير مرئي بين شعبين.
والجسور بين الشعوب، في النهاية، قد تكون أطول عمرًا من الخلافات بين الحكومات.
بيانات هيكل ملكية الشركة ونسبة التداول الحر موثقة رسميًا في منصة الإفصاح العام التركية KAP. أما عقد صلاح وقيمة الـ17 مليون يورو ونسبة الـ20% من المنتجات التي تحمل اسمه فوردت في تقرير رويترز عن التوقيع الرسمي.
وأعتقد أن إضافة رقم 15 مليار دولار المستهدف للتجارة المصرية–التركية ترفع ما أقول في هذا المقال إلى مستوى آخر؛ لأنها تجعل الخاتمة عن «الجسر بين الشعبين» جزءًا من مسار سياسي واقتصادي حقيقي قائم بالفعل، لا مجرد أمنية مرتبطة بكرة القدم.



















