قال محمد البنا، خبير اقتصادي، إن ارتفاع مدفوعات خدمة الدين الخارجي يمثل ضغطًا على موارد النقد الأجنبي في مصر، موضحًا أن جزءًا من الموارد الدولارية التي تدخل الاقتصاد المصري يذهب إلى سداد أصل الدين والفوائد بدلًا من توجيهه إلى تمويل الواردات أو الاستثمار أو تكوين احتياطيات إضافية.
وأوضح البنا أن الضغط يزداد عندما ترتفع مدفوعات الدين في الوقت نفسه الذي يحتاج فيه الاقتصاد إلى الدولار لتمويل واردات الطاقة والسلع الوسيطة والرأسمالية، مشيرًا إلى أن تقديرات البنك المركزي المصري التي أُعلنت في نوفمبر 2025 كانت تشير إلى أن خدمة الدين الخارجي المتوقعة لعام 2026 تبلغ نحو 29.2 مليار دولار، منها 23.8 مليار دولار أقساطًا و5.4 مليار دولار فوائد.
وأكد الخبير الاقتصادي أن العبرة ليست فقط بحجم مدفوعات الدين، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية تكفي لخدمة الدين وتمويل احتياجاته الجارية، موضحًا أن الحفاظ على القدرة على السداد يمثل شرطًا مهمًا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والثقة في الاقتصاد المصري.
محمد البنا زيادة موارد الدولار تساعد على مواجهة ضغوط خدمة الدين
وقال محمد البنا في تصريحات خاصة لـ«الحرية» إن تحقيق التوازن بين سداد الالتزامات الخارجية وتمويل احتياجات الاقتصاد لا يعني الاختيار بين سداد الدين وتلبية احتياجات الاقتصاد الوطني من الواردات، لأن الحفاظ على القدرة على السداد هو نفسه شرط للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والثقة في الاقتصاد المصري.
وأوضح البنا أن المطلوب هو إدارة التدفقات الدولارية بحيث تتناسب الالتزامات الخارجية مع قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وهو ما يتطلب زيادة الموارد المستدامة من السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والصادرات السلعية على وجه الخصوص، إلى جانب جذب مزيد من موارد النقد الأجنبي من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسين إيرادات قناة السويس.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن بعض هذه الموارد شهد تحسنًا واضحًا، حيث سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% عن العام السابق، كما أظهرت بيانات البنك المركزي تحسنًا في وضع ميزان المدفوعات خلال يوليو–مارس 2025/2026، مع ارتفاع صافي التدفق الداخل في الحساب الرأسمالي والمالي إلى نحو 9.9 مليار دولار.
البنا: تحسن موارد الدولار يخفف الضغوط على الاقتصاد
وأكد محمد البنا أن تحسن موارد الدولار خلال الفترة الأخيرة يساعد بصورة ملموسة في تخفيف الضغوط، لكنه لا يعني أن مشكلة خدمة الدين انتهت، موضحًا أن صافي الاحتياطيات الدولية وصل إلى نحو 57.2 مليار دولار في نهاية أغسطس 2026، مقابل نحو 51.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025.
ولفت البنا إلى التحسن الكبير في تحويلات المصريين بالخارج، التي وصلت إلى 29.7 مليار دولار خلال أول سبعة أشهر من 2026، بزيادة 28.1% عن الفترة المقابلة من العام السابق، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي يؤكد أن تحسن تحويلات العاملين وإيرادات السياحة وبعض التحسن في إيرادات قناة السويس ساعدت في تخفيف الضغوط على الحساب الجاري.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة التمييز بين تحسن السيولة الدولارية وتحسن القدرة المستدامة على توليد النقد الأجنبي، موضحًا أن الاحتياطي يعطي الاقتصاد مساحة أمان، لكنه لا يمكن أن يكون المصدر الدائم لسداد الالتزامات.
خدمة الدين تضيق هامش الإنفاق على الاستثمارات
وأوضح البنا أن خدمة الدين تؤثر على قدرة الدولة على تمويل الاستثمارات والمشروعات، لأن كل دولار يذهب إلى خدمة الدين لا يمكن استخدامه في الوقت نفسه لغرض آخر، لكنه أكد أن خدمة الدين الخارجي لا تعني تلقائيًا توقف الدولة عن الاستثمار، وإنما تعني أن الهامش المتاح للإنفاق الاستثماري يصبح أكثر ضيقًا إذا كانت الموارد المالية والدولارية محدودة.
وأشار محمد البنا إلى أهمية ترتيب أولويات الاستثمار العام والبنية الأساسية الداعمة للإنتاج، إلى جانب إفساح المجال للقطاع الخاص لحشد قدراته في المشروعات التي تزيد الطاقة الإنتاجية أو توفر العملة الأجنبية مستقبلًا، مثل مشروعات الصناعات التحويلية والتصدير والطاقة.
وأكد الخبير الاقتصادي أن زيادة الاقتراض لتمويل مشروعات جديدة لا تمثل مشكلة في حد ذاتها إذا كان المشروع يرفع الناتج والإنتاجية أو يولد موارد دولارية تكفي لخدمة التمويل، أما إذا كان الاقتراض يستخدم لتمويل إنفاق استهلاكي أو مشروعات ذات عائد منخفض، فإن الدين يتحول تدريجيًا إلى عبء أكبر على الموازنة وميزان المدفوعات.
التحدي الحقيقي هو زيادة قدرة الاقتصاد على توليد الدولار
وقال البنا إن مصر تواجه بالفعل معادلة دقيقة، تتمثل في أن خدمة الدين الخارجي تمثل ضغطًا على الموارد الدولارية، لكن تحسن التحويلات والاحتياطيات وبعض مصادر النقد الأجنبي يوفر مساحة أفضل لإدارة هذا الضغط
وأكد محمد البنا أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس مجرد توفير الدولار لسداد الدين، وإنما الانتقال من إدارة أزمة الدولار إلى بناء قدرة مستدامة على توليد العملة الأجنبية من خلال الإنتاج والتصدير والسياحة والاستثمار، بحيث تصبح خدمة الدين جزءًا يمكن تحمله من التدفقات الخارجية وليس عاملًا يستنزفها.
أقرا أيضا..محمود مصطفى لـ«الحرية»: ارتفاع الدولار 34 قرشًا.. هل تستمر الموجة؟






















