غدًا، الإثنين 21 سبتمبر، ليس يومًا عاديًا في مسيرة الدكتور محمد زهران المهنية والسياسية، في سابقة لم أرَ لها مثيلًا طوال سنوات عملي، يقف رجل واحد في نفس اليوم أمام جهتين قضائيتين مختلفتين، بصفتين متناقضتين تمامًا، بينما هو قابع في محبسه وبين جدران سجنه لا يملك من أمره شيئًا.
مشهدان دراميان يحتاجان لمخرج فانتازيا ليُخرج مسرحية أغرب من الخيال.
المشهد الأول: المتهم خلف الشاشة
يقف زهران في محبسه أمام كاميرا، متهمًا، وفي قاعة تجديد الحبس عن بُعد، يقف المحامون أمام نيابة أمن الدولة العليا بمجمع محاكم القاهرة الجديدة في أقصى شرق القاهرة، انتظارًا لقرار النيابة في القضية رقم 5773 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا.
والتهمة المعلنة كالعادة: نشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير السلم العام والإضرار بالمصلحة العامة، واستخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف الترويج لجريمة إرهابية (وهي اتهامات خطيرة للغاية، هو نفسه طلب من النيابة مواجهته بالمنشورات التي تحمل أخبارًا كاذبة).
المشهد الثاني: المُدّعي الغائب
زووم على مبنى دار القضاء العالي الذي يقف شامخًا وسط البلد، في أقصى غرب القاهرة، كمعلم ورمز للعدالة المصرية.
وفي ذات اليوم، وفي نفس التوقيت تقريبًا، تنظر محكمة النقض، أعلى محكمة في البلاد، الطعن رقم 15 لسنة 96 قضائية، الذي أقامه الدكتور زهران نفسه طعنًا على نتيجة انتخابات مجلس النواب بالدائرة العاشرة – المطرية بالقاهرة، التي كان مرشحًا فيها.
هنا زهران ليس متهمًا، بل هو صاحب حق، مُدّعٍ يطالب بتمكينه من حقه الدستوري في مقعد مجلس النواب الذي خرج عشرات الآلاف من مواطني المطرية ليصوتوا له.
هنا تكمن عقدة الرواية
كيف لمواطن أن يدافع عن حقه النيابي أمام محكمة النقض وهو محبوس احتياطيًا على ذمة اتهامات بإذاعة أخبار كاذبة، وهو المواطن المعلوم المنزل والعمل والمكانة؟! وكيف سيترافع؟ وكيف سيحضر؟ القانون يمنعه، والحبس يقيده، والشاشة التي سيظهر من خلالها أمام نيابة أمن الدولة لن تنقله إلى دار القضاء العالي.
نحن أمام رجل يطالب بكرسي في البرلمان ليدافع ليس فقط عن المعلمين ولكن عن الشعب كله، وهو في نفس الوقت لا يستطيع حتى حضور جلسة طعنه أمام محكمة النقض!
الدكتور محمد زهران لم يعد مجرد مرشح لمجلس النواب، كان نموذجًا للمرشح الشعبي الذي لا يملك حتى رسوم الترشح فيتطوع المقتنعون به كمدافع عنهم بجمعها، ويتكاتف حوله المهمشون والعمال والفلاحون والموظفون وصغار التجار في تحالف انتخابي فطري.
هو لم يعد في انتخابات النواب رمزًا للمعلمين المطالبين بحقوقهم وفي نقابة حرة تدافع عنهم فحسب، ولكنه أصبح حلمًا للبسطاء أن يمثلهم نائب منهم، فعز على البعض أن يروا حلمًا بسيطًا يتحقق، حتى لا يكون نموذجًا.
وكل من عرف زهران يعلم أنه ما حمل قلمًا إلا دفاعًا عن زملائه، وما كتب منشورًا إلا انتصارًا لقضية المعلم.
هل يعقل أن يكون مصير من يطالب بحق المعلم في حياة كريمة ونقابة تعبر عن أصحابها هو الحبس بتهمة تكدير السلم العام؟!
إننا لا نتدخل في أعمال القضاء، ونكن لكل جهات التحقيق ولكل منصات العدالة كل الاحترام والتقدير، لكننا نطرح سؤالًا إنسانيًا وقانونيًا مشروعًا: هل تنطبق شروط الحبس الاحتياطي المعروفة على زهران؟! ألا يستحق هذا الرجل أن يُنظر إليه حتى بعين الرحمة، وأن نرى انفراجة في قضيته؟
هل يخرج زهران غدًا من محبسه ليعود معلمًا بين زملائه، ونائبًا محتملاً عن دائرة أحبها وأحبته؟!
هذا ما نتمناه ونرجوه.
أنا وبعض زملاء زهران لا نعرف إلى أين سنذهب غدًا الإثنين، هل لمحكمة القاهرة الجديدة في أقصى شرق القاهرة، أم لمحكمة النقض في أقصى غرب القاهرة (وسط البلد)؟
تلك ليست مفارقة زهران فقط، الذي ينتظر قرار نظر حبسه من محبسه أمام نيابة أمن الدولة العليا وقلبه معلق بقاعة محكمة النقض بوسط البلد، ولكنها مفارقة قدرية لم يرتبها أحد (زهران متهمًا أمام نيابة أمن الدولة العليا وفي نفس اليوم والتوقيت مدعيًا وطاعنًا على نتيجة دائرته بمحكمة النقض…).
نحن جميعًا لا نملك لزهران ولغيره من سجناء الرأي إلا الدعاء.




















