لم يكن تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن التجاوزات التي صاحبت انتخابات مجلس النواب مجرد تعليق عابر، بل كان أشبه بـ«فيتو رئاسي» صريح على مسار سياسي بدا منفلتًا من الضوابط. الرئيس، وللمرة الأولى، يعلن اعتراضًا بهذا الوضوح، في لحظة يتداخل فيها الاحتقان الشعبي مع ارتباك حزبي واضح، ما يجعل الرسالة أكبر من كونها توصيفًا لمشهد انتخابي، بل إنذارًا بأن الدولة تقترب من نقطة لا يمكن تجاوزها دون إعادة تقييم شاملة.
فالمرحلة الثانية من الانتخابات كشفت حجم الانفصال بين ما يُفترض أن تكون عليه المنافسة السياسية وبين ما شهدته الشوارع من ممارسات فجة: إنفاق مالي بلا سقف، تفاخر علني بنفوذ المال السياسي، تورط أحزاب موالية في مشهديات انتخابية تُسيء إلى صورة الدولة، وتضييق طال مرشحين معارضين بصورة أربكت الثقة العامة وأضعفت إحساس الناس بجدوى المشاركة.
هذه التجاوزات التي وصلت حدَّ «الانحلال الانتخابي» لم تكن مجرد أخطاء عابرة، بل مؤشرًا على أن الرسائل التي طالما ترددت حول فتح المجال العام وتوسيع المشاركة لم تصل إلى من يعنيهم الأمر. فكيف يُطلب من المواطنين الإقبال على صناديق يشعرون مسبقًا أن نتائجها محسومة؟ وكيف تُبنى حياة سياسية حقيقية بينما اللاعبون أنفسهم يكررون المسار ذاته دون مساءلة أو تجديد؟
إن «فيتو الرئيس» كان رسالة واضحة بأن الإدارة السياسية غير راضية عن شكل المنافسة ولا عن الطريقة التي أُخرج بها المشهد. لكن المشكلة أن الرسالة لم تَصل — أو لم يُرِد البعض لها أن تصل. فالأحزاب التي كان يُفترض بها أن تتحمل مسؤولية ترشيد الممارسات غرقت أكثر في الحسابات الضيقة، والجهات التي كان يجب أن تضمن النزاهة اكتفت بالمراقبة من بعيد، والشارع وجد نفسه أمام مشهد يزيد من فجوة الثقة بينه وبين المؤسسات السياسية.
الدولة، في ظروفها الحالية وتحدياتها المضاعفة، لا تحتمل مجلس نواب مشوَّه أو تمثيلًا سياسيًا مهتزًا؛ فالمصداقية ليست ترفًا، بل شرط استقرار. ومن هنا يصبح الفيتو الرئاسي خطوة لحماية المؤسسات، لا مجرد موقف اعتراض.
اليوم، الرسائل التي لم تصل يجب أن تُقال بوضوح:
لا حياة سياسية من دون تعددية حقيقية. ولا انتخابات ذات قيمة من دون رقابة مستقلة. ولا أحزاب مؤثرة من دون انضباط وشفافية.
كما أن القوانين التي تحاصر المال السياسي لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحة لإعادة ثقة الناس في صناديق الاقتراع.
ورغم كل ما سبق، يبقى موقف الرئيس الرافض لتمرير نتائج مشوهة نقطة ضوء يمكن البناء عليها. فالاعتراف بالأزمة هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح، واللحظة الحالية تمنح فرصة ربما الأخيرة لإعادة ترتيب البيت السياسي قبل أن تتعقد الأمور بصورة يصعب تداركها.
في النهاية، إنقاذ المشهد السياسي المصري لن يتحقق إلا إذا فهم الجميع معنى الرسائل التي أراد الرئيس إيصالها. فالانتخابات ليست شكلاً، ولا هي موسماً احتفاليًا، إنها عقد ثقة بين الدولة والمجتمع. وما لم تُقرأ هذه الرسالة جيدًا، سيظل الفيتو قائمًا، وستظل الرسائل معلَّقة، لم تصل بعد إلى مستحقيها.




















