كيف عاش مبارك بعد التنحي حتى وفاته؟، في 11 فبراير 2011، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان في خطاب مقتضب تنحي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عن الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته مليئة بالمحاكمات، والجدل، والتراجع الصحي.
بعد أكثر من 30 عامًا في السلطة، وجد مبارك نفسه أمام القضاء، يواجه اتهامات بالفساد، وقتل المتظاهرين، واستغلال النفوذ.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز تفاصيل حياته بعد التنحي من خلال ثلاثة محاور رئيسية، المحاكمات القانونية التي خضع لها، حياته الشخصية بعد الإفراج عنه، وتطور حالته الصحية حتى وفاته.

أولًا المحاكمات القانونية التي واجهها
بعد التنحي، بدأت سلسلة من المحاكمات ضد مبارك بتهم متعددة، كان أبرزها قتل المتظاهرين خلال ثورة 25 يناير، بالإضافة إلى قضايا فساد مالي.
في 3 أغسطس 2011، مثل مبارك لأول مرة أمام محكمة جنايات القاهرة، حيث ظهر مستلقيًا على سرير طبي داخل قفص الاتهام، ما أثار ضجة إعلامية واسعة.
في 2 يونيو 2012، صدر حكم بالسجن المؤبد عليه، بتهمة التواطؤ في قتل المتظاهرين خلال الثورة.
ومع ذلك، في يناير 2013، ألغت محكمة النقض هذا الحكم، وأمرت بإعادة المحاكمة.
في 29 نوفمبر 2014، صدر حكم جديد ببراءته من تهمة قتل المتظاهرين، مستندًا إلى عدم كفاية الأدلة، وهو ما أثار ردود فعل متباينة.
لاحقًا، في مارس 2017، أصدرت محكمة النقض حكمًا نهائيًا ببراءته، لينهي بذلك سلسلة طويلة من المحاكمات في هذه القضية.
أما في قضايا الفساد، فقد أدين مبارك في قضية “القصور الرئاسية”، حيث اتُهم مع نجليه علاء وجمال بالاستيلاء على أموال الدولة لترميم ممتلكاتهم الخاصة.
في مايو 2014، أُدينوا وحُكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، وبعد سلسلة من الطعون، تم تأييد الحكم النهائي في يناير 2015.
ورغم صدور الحكم، لم يُسجن مبارك في سجن تقليدي، بل قضى مدة العقوبة داخل مستشفى المعادي العسكري نظرًا لحالته الصحية.
بعد قضاء مدة العقوبة واحتساب فترة الحبس الاحتياطي، أُطلق سراحه رسميًا في مارس 2017، لينهي بذلك سنوات من السجن والمحاكمات، ويعود إلى حياته العادية بعيدًا عن الأضواء.
ثانيًا حياته الشخصية بعد الإفراج عنه
بعد الإفراج عنه، عاد حسني مبارك إلى منزله في منطقة مصر الجديدة بالقاهرة، حيث عاش برفقة زوجته سوزان ثابت ونجليه علاء وجمال.
بعيدًا عن السلطة، اختار مبارك البقاء بعيدًا عن الأضواء السياسية والإعلامية، مكتفيًا بالتواصل مع أفراد عائلته وبعض المقربين منه.
رغم محاولات بعض وسائل الإعلام للحصول على تصريحات منه، فضّل مبارك الصمت ولم يدلِ بأي تصريحات علنية حول الأحداث السياسية التي شهدتها مصر بعد 2011.
ظهوره الإعلامي كان محدودًا للغاية، حيث اقتصر على مقاطع فيديو نادرة تم تصويرها داخل منزله، مثل الفيديو الذي نشره نجله علاء مبارك في أكتوبر 2018، حيث تحدث فيه عن ذكرياته في حرب أكتوبر 1973.
عاش مبارك حياة هادئة، وابتعد عن الأحاديث السياسية، فيما انشغل نجلاه بإعادة ترتيب أوضاعهما بعد سنوات من السجن والملاحقات القضائية.
في بعض المناسبات، التُقطت له صور خلال زياراته الطبية أو أثناء تواجده في أماكن عامة، لكنها كانت قليلة جدًا.
ثالثًا وضعه الصحي وتفاعله مع الأحداث السياسية حتى وفاته
عانى مبارك من مشاكل صحية مزمنة، تفاقمت بشكل واضح بعد تنحيه. منذ 2011، خضع لعدة عمليات جراحية، أبرزها جراحة لاستئصال المرارة وأخرى لمعالجة ورم في الإثني عشر.
كما كان يعاني من مشكلات في القلب، مما استدعى نقله المتكرر إلى المستشفى خلال سنواته الأخيرة.
في يناير 2020، أُدخل إلى مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة لإجراء عملية جراحية دقيقة في الأمعاء.
بعد العملية، شهدت حالته الصحية تدهورًا حادًا، مما استدعى بقاءه في العناية المركزة لعدة أسابيع.
في 25 فبراير 2020، توفي مبارك عن عمر يناهز 91 عامًا، بعد صراع مع المرض.
أُقيمت له جنازة عسكرية في القاهرة، حضرها عدد من المسؤولين المصريين، وأفراد أسرته، وكبار قادة القوات المسلحة.
رغم الجدل الذي أحاط بفترة حكمه، ودّعته الدولة بمراسم رسمية، حيث دُفن في مقابر الأسرة.
تقييم فترة ما بعد التنحي
خلال السنوات التسع التي عاشها مبارك بعد تنحيه، تنقل بين قاعات المحاكم والمستشفيات، قبل أن ينتهي به المطاف في منزله مع عائلته.
بعيدًا عن السلطة، لم يعد له أي تأثير سياسي، ولم يبدِ أي رغبة في العودة إلى المشهد العام.
مقارنة بزعماء آخرين واجهوا ثورات، كان مبارك من القلائل الذين أنهوا حياتهم في وطنهم، دون نفي أو اغتيال.
ورغم انتهاء حقبته، لا يزال الجدل حول إرثه السياسي قائمًا، حيث يراه البعض قائدًا عسكريًا حافظ على استقرار مصر خلال عقود، بينما يرى آخرون أن سياساته أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مما ساهم في اندلاع ثورة 25 يناير.
شهدت السنوات الأخيرة من حياة حسني مبارك محطات حافلة بالتقلبات، من قاعات المحاكم إلى العزلة داخل منزله.
في ذكرى تنحيه، يظل مبارك شخصية مثيرة للجدل، فقد حكم مصر ثلاثة عقود، ورحل عنها تاركًا إرثًا سياسيًا لا يزال محل نقاش.
وبينما طويت صفحته السياسية، يبقى تأثيره حاضرًا في تاريخ مصر الحديث.




















