تمر اليوم ذكرى وفاة طه حسين، الذي غيّر وجه الثقافة العربية وترك بصمة لا تُمحى في الفكر والأدب، بعد مسيرة حافلة بالاجتهاد والتنوير. تحل الذكرى الثانية والخمسون لرحيل “عميد الأدب العربي”، الذي لم يكن مجرد كاتب أو ناقد، بل رمزًا للوعي والإرادة والقدرة على تجاوز الظلام بنور العقل، بعدما فقد بصره في طفولته لكنه أبصر بعقله وترك للأجيال إرثًا فكريًا خالدًا.
ذكرى وفاة طه حسين.. بداية ثورة فكرية لم تنطفئ
في مثل هذا اليوم، قبل 52 عامًا، فقدت مصر والعالم العربي أحد أبرز رموزها الثقافية، وهو الدكتور طه حسين، الذي وُلد عام 1889 في قرية الكيلو بمحافظة المنيا، وفقد بصره في سن الثالثة، لكنه رفض أن يكون العجز حاجزًا أمام طموحه.
شق طريقه في التعليم الأزهري، ثم إلى الجامعة المصرية، وصولًا إلى فرنسا حيث درس السوربون، ليعود بعد ذلك أستاذًا ومصلحًا ومفكرًا قاد حركة التنوير في مصر والعالم العربي.
لم يكن طه حسين مجرد أستاذ جامعي أو كاتب أكاديمي، بل كان مفكرًا امتلك الشجاعة الفكرية لكسر القيود التقليدية التي كبّلت العقل العربي، وفتح الباب أمام جيل جديد من الأدباء والمثقفين.
طه حسين والسينما.. من “الوعد الحق” إلى “دعاء الكروان”
في ذكرى وفاة طه حسين، لا يمكن تجاهل الأثر الذي تركه في الفن السابع. فقد استلهمت السينما المصرية من مؤلفاته العميقة عددًا من الأعمال التي جمعت بين الفكر والجمال الإنساني.
عام 1951، قدّمت السينما أول عمل مقتبس عن أحد كتبه، وهو فيلم «ظهور الإسلام» المأخوذ عن كتابه «الوعد الحق»، من إخراج إبراهيم عزالدين، وبطولة عماد حمدي، كوكا، وسراج منير. تناول الفيلم فترة ما قبل الرسالة المحمدية، مقدمًا رؤية فكرية وإنسانية لتلك المرحلة.
ثم جاء فيلم «دعاء الكروان» عام 1959 ليضع اسم طه حسين على خارطة السينما الخالدة. الفيلم من إخراج هنري بركات وبطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر، وقد تصدر قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، محتلاً المركز الرابع عشر في استفتاء النقاد بمهرجان القاهرة السينمائي عام 1996.
وجاء الفيلم الثالث عام 1970 بعنوان «الحب الضائع»، من إخراج هنري بركات أيضًا، وبطولة سعاد حسني ورشدي أباظة، وهو عمل اعتمد على الحس الإنساني والعاطفي في أدب طه حسين، ليجسد رحلة من الألم والحب والصراع الداخلي.
من الرواية إلى الشاشة.. رحلة “دعاء الكروان” التي كسرت التقاليد
من أبرز ما ميز أعمال طه حسين هو جرأته في تناول قضايا المرأة والمجتمع. ففي رواية «دعاء الكروان» التي كتبها في ثلاثينيات القرن الماضي، تناول قصة فتاة صعيدية تتمرد على القيود الاجتماعية، وتعيش قصة حب مخالفة للتقاليد.
ورغم أن العمل الأدبي أثار جدلاً عند صدوره، فإن الفيلم الذي عُرض عام 1959 أعاد تقديم القصة بروح جديدة، وانتهى بمقتل البطل، ليكون العمل رسالة رمزية عن الثمن الذي تدفعه المرأة حين تتمسك بحريتها في مجتمع لا يغفر.
الحب الضائع.. من الإذاعة إلى السينما
أوضح الناقد محمود قاسم أن رواية «الحب الضائع» قدّمت أولاً كمسلسل إذاعي من إخراج محمد علوان وبطولة عمر الشريف وصباح، قبل تحويلها إلى فيلم سينمائي.
وأشار إلى أن السيناريست يوسف جوهر أخذ نهاية الرواية فقط ليبني عليها المسلسل، وعندما تحولت القصة إلى فيلم، اعتمد السيناريو على النسخة الإذاعية وليس على الرواية الأصلية، التي كانت تدور أحداثها في فرنسا.
ورغم ذلك، استطاع الفيلم أن يلامس مشاعر الجمهور بفضل لغته الوجدانية وحواره الإنساني العميق المستلهم من روح طه حسين.
قاهر الظلام والأيام.. حين تحوّلت حياة طه حسين إلى عمل فني
لم يكتفِ الفن بنقل مؤلفات طه حسين، بل قدّم سيرته الذاتية في أكثر من عمل جسّد رحلة الكفاح والإرادة التي خاضها.
فقد تناول فيلم «قاهر الظلام» للمخرج عاطف سالم حياة عميد الأدب العربي، مستندًا إلى كتاب كمال الملاخ، وشارك فيه النجم محمود ياسين والفنانة نجلاء فتحي، فيما جسدت ممثلة فرنسية شخصية زوجته، وتم تركيب صوت الفنانة إجلال زكي عليها لعدم إجادتها اللغة العربية.
أما الدراما التلفزيونية فقدّمت قصة حياة طه حسين في مسلسل «الأيام» عام 1979، من بطولة أحمد زكي ويحيى شاهين، تأليف أمينة الصاوي، وإخراج يحيى العلمي. هذا المسلسل أصبح علامة في الدراما المصرية، وأحد أهم الأعمال التي تناولت سيرة مفكر عربي بتلك الدقة والصدق.
أعمال درامية مستوحاة من فكر طه حسين
إلى جانب «الأيام»، ظهرت أعمال أخرى مستوحاة من فكر طه حسين، أبرزها مسلسل «أديب» عام 1982 من بطولة نور الشريف ودلال عبد العزيز وصلاح السعدني، ثم مسلسل «الوعد الحق» عام 1993 بطولة عبد الله غيث وسهير المرشدي، وهو من إخراج وفيق وجدي.
هذه الأعمال لم تكن مجرد سرد أدبي، بل ترجمة مرئية لفكر طه حسين الذي دعا إلى الحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية والتعليم للجميع.
اقرأ أيضًا: بيت الشعر يخلد الذكرى الـ«50» لرحيل طه حسين




















