الانتخابات الأخيرة لمجلس الشيوخ أبرزت صعود أحزاب مثل مستقبل وطن، وحماة الوطن، والجبهة الوطنية، والشعب الجمهوري، وهي أحزاب مؤيدة للنظام والسيد الرئيس، ومرشحة لتكرار حضورها القوي في انتخابات مجلس النواب القادمة.
هذه الأحزاب حصلت على حوالي 90٪ من مقاعد الفردي والقائمة الوطنية، مما يعكس حجم انتشارها وتنظيمها على الأرض. هذا المشهد يفتح الباب أمام لحظة سياسية جديدة: الانتقال من حكومة التكنوقراط إلى حكومة حزبية مؤسسية.
تتمتع هذه الأحزاب بمقومات قوية لهذا الانتقال، فقد نجحت في بناء قواعد تنظيمية واسعة، وأثبتت قدرتها على حشد الجماهير، وحصدت مقاعد مؤثرة في الشيوخ. والأهم أنها تضم داخل صفوفها خبرات متنوعة تشمل وزراء ومحافظين سابقين، وأساتذة جامعات، وخبراء اقتصاديين، ولواءات متقاعدين، وهو ما يوفر رصيدًا بشريًا مؤهلًا لتحمل المسؤولية التنفيذية.
صحيح أن الأحزاب المؤيدة للدولة تبدو متقاربة في توجهاتها، لكن هذا التقارب يمكن أن يتحول إلى ميزة، لأنه يضمن الاستقرار السياسي ويعكس وحدة الصف الوطني. وفي الوقت نفسه، يظل المجال مفتوحًا أمام هذه الأحزاب لتطوير برامجها وتوسيع قواعدها الشعبية، بما يعزز التنافس الإيجابي فيما بينها على خدمة المواطن.
كما تظل الفرصة متاحة أمام اشتراك وزراء من القوى السياسية الأخرى في الانتخابات المقبلة، ويمكن أن يكون هناك أحد أو اثنان منهم في الحكومة التي يتم تشكيلها في بداية عام 2026، خاصة مع بروز أحزاب مثل العدل، والمصري الديمقراطي، والإصلاح والتنمية بالإضافة لتنسيقية شباب الاحزاب والسياسيين.
هذا يضيف ديناميكية سياسية ويعزز التعددية داخل المشهد المصري. اللحظة الحالية مواتية لذلك مع اتضاح هيمنة الأحزاب المؤيدة للدولة وضعف دور المستقلين، والحاجة إلى قيادات سياسية قادرة على مخاطبة الشارع وحشده جنبًا إلى جنب مع الإعلام لتحقيق تكاتف وطني في ظل التوتر السياسي والإقليمي الحاد في المنطقة.
النموذج الفرنسي يقدم تجربة يمكن الاستفادة منها: الرئيس يحتفظ بالسلطة العليا، بينما تتولى الحكومة المنبثقة من حزبه أو التيار المؤيد له إدارة الملفات التنفيذية. اعتماد هذا النهج في مصر سيعزز المشاركة الحزبية، ويمنح الأحزاب فرصة لاختبار برامجها وقدرتها على تحويل الوعود إلى سياسات واقعية، مع الحفاظ على دور البرلمان في الرقابة والتقييم المستمر لضمان الشفافية والمساءلة.
الدستور المصري، من خلال المادة 146، يمنح هذه الصيغة أساسًا قانونيًا واضحًا، حيث يتيح للسيد الرئيس تكليف رئيس وزراء من الحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية. وبذلك تتحول الانتخابات من مجرد سباق على المقاعد إلى مدخل عملي لتشكيل الحكومات، مع ضمان آليات واضحة لمراقبة الأداء الحكومي والتدخل في حالة فشلها في الحصول على ثقة البرلمان.
إن السير في اتجاه حكومة حزبية لن يكون مجرد خطوة إجرائية، بل نقلة نوعية نحو ترسيخ تقاليد المشاركة السياسية في مصر، وتوسيع دور الأحزاب من مجرد دعم للدولة إلى شريك مباشر في الحكم. وإذا تم ذلك، فسوف يُحسب للرئيس السيسي باعتباره القائد الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة، توازن بين الاستقرار والإصلاح السياسي، ويضمن مشاركة كل الأطراف السياسية بشكل متوازن وشفاف.






















