عشية انتخابات التجديد النصفي، لا تواجه أمريكا سؤال من يفوز بالكونجرس فقط، بل سؤال مقدار السلطة التي ستبقى لدونالد ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته.
وقد اختصر ترامب مخاوفه في يناير، عندما حذر نواب حزبه من أن خسارة الانتخابات قد تفتح الطريق لمحاولة عزله، ولذلك تبدو انتخابات الثالث من نوفمبر اختبارًا لقدرته على مواصلة الحكم بشروطه، واختبارًا للحزب الجمهوري الذي ربط مستقبله السياسي بمستقبل ترامب.
ينتخب الأمريكيون كل عامين جميع أعضاء مجلس النواب، البالغ عددهم 435، وأيضًا نحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ.
هذه المرة، يدخل الجمهوريون المعركة بأغلبية ضيقة تبلغ 218 مقعدًا مقابل 214 في النواب، و53 مقابل 47 في الشيوخ. ويحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ من أربعة مقاعد في كل مجلس لقلب السيطرة، وتشير التقديرات الأخيرة إلى أفضلية ديمقراطية في النواب وإمكانية حقيقية للفوز بالشيوخ، لكن الاستطلاعات لا تعادل النتائج ولا تضمن حجم التحول المنتظر.
في قلب هذه المعركة تقف حرب إيران، التي حولت السياسة الخارجية إلى قضية معيشية داخل البيوت الأمريكية. فالحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر تجاوزت كلفتها العسكرية الأمريكية 47 مليار دولار، وفق أحدث تقديرات البنتاجون، بينما انعكست اضطرابات الطاقة على أسعار الوقود، وأصبح الديمقراطيون يربطون بين قرارات ترامب العسكرية والضغوط الاقتصادية التي يشعر بها الناخب عند شراء احتياجاته اليومية.
ولا تتوقف كلفة الحرب عند الأسعار، فقد وعد ترامب بالابتعاد عن صراعات الشرق الأوسط، ثم وجد حزبه نفسه يدافع عن مواجهة طويلة بلا نهاية واضحة، حتى إن النائب الجمهوري ديريك فان أوردن أقر بأن الحرب تجعل الاحتفاظ بمجلسي الكونجرس أصعب بكثير. وهنا يتداخل الغضب الاقتصادي مع سؤال الثقة في رئيس قدم نفسه باعتباره قادرًا على إنهاء الحروب لا توسيعها.
ولا ننسى أن التحالف مع بنيامين نتنياهو يمثل عبئًا سياسيًا إضافيًا إلى هذه المعادلة، فقد ذكرت نيويورك تايمز أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ساعد في إقناع ترامب بمهاجمة إيران، وسعى إلى تنسيق ضربات جديدة قبل الانتخابات. ولا يعني ذلك أن كل معارضة لترامب سببها إسرائيل، لكنه يمنح خصومه مدخلًا للسؤال عما إذا كانت أولويات حكومته تتطابق دائمًا مع مصالح الناخب الأمريكي أم تتأثر بحسابات حليفه الإسرائيلي.
تظهر هذه المعضلة بوضوح في ميتشيجن، حيث يخوض عبدول السيد، من أصل مصري، والذي يتهمه ترامب ومؤيدوه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، مواجهة مهمة على مقعد مجلس الشيوخ أمام الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من ترامب. ويطرح عبدول السيد برنامجًا تقدميًا يجمع بين الرعاية الصحية ومواجهة الاحتكارات والدعوة إلى حظر السلاح عن إسرائيل ومواجهة المال السياسي ومنظمة إيباك. وفي ولاية تضم حضورًا عربيًا أمريكيًا ويهوديًا مؤثرًا، تتقاطع أسئلة الاقتصاد والهوية والحرب بطريقة تجعل السباق محليًا ووطنيًا في الوقت نفسه.
وتبدو فرص عبدول السيد قوية في الاستطلاعات، إذ منحه استطلاع نيويورك تايمز وسيينا الأخير تقدمًا بنسبة 53 بالمئة مقابل 42 بالمئة لروجرز، لكن تطورًا متأخرًا يفرض الحذر، فقد أعلنت منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، هايلي ستيفنز، تأييد روجرز وسط خلافات حادة بشأن إسرائيل، وهو تحول يكشف أن الموقف من نتنياهو والسياسة الإسرائيلية قد يحشد ناخبين خلف عبدول السيد ويبعد آخرين عنه داخل الائتلاف الديمقراطي نفسه.
والدقة هنا ضرورية، فالسيد ينافس على مقعد يشغله الديمقراطي المتقاعد جاري بيترز، ولذلك فإن فوزه يحافظ على مقعد ديمقراطي ولا ينتزع مقعدًا جمهوريًا، لكنه قد يمنع انهيار حسابات حزبه في معركة الأغلبية. وإذا ترافق نجاحه مع انتصارات ديمقراطية أخرى، فقد يسهم في انتقال الشيوخ إلى المعارضة، بما يمنحها نفوذًا حاسمًا على تعيينات القضاة والوزراء والسفراء، ويجعل وصوله أكثر من مجرد انتصار رمزي إلى تأثير حقيقي يقوض من حرية ترامب في اتخاذ القرارات.
أما خسارة ترامب مجلس النواب فتعني انتقال رئاسة اللجان وأدوات التحقيق إلى خصومه، وفتح الباب أمام مساءلة أشد، وربما إجراءات عزل.
لكن توجيه الاتهام لترامب لا يعني إخراجه من البيت الأبيض، فالإدانة تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، ولهذا يجب الفصل بين رئيس محاصر سياسيًا ورئيس يمكن إقالته فعليًا، فالمسافة بين الحالتين كبيرة حتى مع أغلبية ديمقراطية.
بالنسبة إلى المنطقة العربية، تمتد أهمية الانتخابات إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة ومستقبل الحرب، فقد جعل اضطراب الملاحة في هرمز كلفة الصراع أوسع من ساحاته العسكرية، ولا يمكن اعتبار ارتفاع النفط مكسبًا صافيًا لدول الخليج عندما يصاحبه تهديد للشحن والاستقرار.
لذلك تفتح الانتخابات ثلاثة مسارات عامة: احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين، أو انتقال النواب وحده إلى الديمقراطيين، أو انتقال المجلسين معًا. وفي كل مسار تختلف قدرة المعارضة على تقييد الرئيس، لكن أيًا منها لا يمنح ترامب سلطة مطلقة أو يسلبه الرئاسة تلقائيًا. وبين هذه الاحتمالات يقف عبدول السيد مرشحًا قد يساعد في تغيير ميزان القوة، ويجعل من ميتشيجن اختبارًا لتأثير حرب إيران والتحالف مع نتنياهو على مستقبل الحزبين، لا مجرد سباق على مقعد واحد، وربما يمتد الأثر إلى التأثير على فوز الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028.
ننتظر ونرى النتائج غدًا.






















