أجساد السياسيين ليست مجرد أوعية تتحرك بها السلطة، بل هي رسائل يومية تبعثها العيون والخطوات والوقفة والملابس. أحيانًا يكشف الجسد ما يخفيه الخطاب، وأحيانًا يفرض حضوره بقوة تفوق أي كلمة. إن فهم لغة الجسد في السياسة يفتح بابًا آخر لقراءة السلطة: كيف تظهر؟ وكيف تريد أن تُرى؟
في تجارب كثيرة حول العالم، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا وإفريقيا، يظهر السياسي التسلطي بصورة متكررة: جسده يصبح أداة للسلطة، وصورته تحمل رسائل لا تقل قوة عن قراراته أو خطاباته. هذه الظاهرة ليست حكرًا على بلد بعينه، بل تعبير عن ثقافة سلطوية واسعة الانتشار.
أول ما يلفت النظر هو الحجم الرمزي للجسد. السياسي التسلطي يحرص أن يبدو قويًا ومتماسكًا، شامخ القامة، وكأن جسده امتداد لفكرة “المؤسسة الصلبة” التي لا تنحني. حتى إن لم يكن ضخم البنية بطبيعته، فإنه يوظف وقفته، حركته، وملابسه ليصنع هذا الانطباع.
السيطرة على المكان سمة أخرى بارزة. في الاجتماعات والمناسبات العامة، يتصدر المشهد دائمًا، يجلس على مقعد أكبر، أو يتحدث من منصة أعلى، ويدير المسافة بينه وبين الآخرين بشكل مدروس. وغالبًا ما يبدو منزعجًا إذا كان هناك فراغ إلى جواره، فالمسؤول التسلطي لا يحب أن يشعر بأن المكان من حوله خاوٍ، بل يريده ممتلئًا بأجساد تؤكد حضوره. وهنا يتحول هو نفسه إلى جسد متخشب ومقدس، وكأنه جسد “ولي”، بينما يتحرك الآخرون من حوله كأجساد “مريدين”. كأن السلطة قادرة على إخراس الجسد ومنعه من أي عفوية، ليظل محكومًا بقواعد الصرامة والرهبة.
لغة الجسد تحمل بدورها صرامة مقصودة: وجه جامد أو عابس، يد تُستخدم للتأشير أو للقطع، وصوت مرتفع حاسم يفرض الهيمنة أكثر مما يفتح باب النقاش. حتى تفاصيل الملبس لا تكون عابرة؛ فغالبًا ما يُختار زي رسمي داكن، أو مظهر يوحي بالانضباط والجدية. في هذه اللحظة، لا يُقدَّم السياسي كشخص عادي، بل كرمز جسدي للمؤسسة التي يمثلها.
ومن السمات اللافتة أيضًا الحركة المسرّعة. كثيرًا ما ترى السياسي التسلطي يمشي بسرعة مبالغ فيها، كأنه يهرول أو يجري، فيما يحاول مساعدوه واتباعه اللحاق به في مشهد يوحي بأنه سابق للجميع، وأن الآخرين دائمًا خلفه. حتى الحركة هنا تتحول إلى إشارة إلى التفوق والسيطرة.
ولعلنا نتذكر هنا اللوحة التعبيرية الشهيرة التي نشرتها إحدى الصحف في سبتمبر 2010، حين كانت الصور الأصلية من واشنطن تُظهر الرئيس الأسبق حسني مبارك يسير متأخرًا بوضوح عن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والعاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين، والرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ربما كان ذلك مرتبطًا بحالته الصحية وقتها، لكن الجدل تصاعد بعدما أعيد نشر الصورة معدلة بالفوتوشوب، لتظهر مبارك متقدمًا على الجميع، مبررًا ذلك بأنها صورة “تعبيرية” تجسد دوره في قيادة المفاوضات. المثال هنا يوضح كيف تُستخدم الحركة والصورة معًا لتكريس صورة الجسد السياسي المتفوق حتى لو خالفت الواقع.
إلى جانب ذلك، يبرز ما يمكن وصفه بـ”أسطورة التحمل”. السياسي التسلطي يُصوَّر دائم النشاط، لا ينام كثيرًا، حاضرًا في كل وقت ومكان. هنا يصبح الجسد نفسه رسالة: جسد استثنائي، لا يشيخ ولا يمرض، وكأنه فوق البشر.
كل ظهور علني يتحول بدوره إلى عرض: خطاب جماهيري، افتتاح مقر، أو استعراض احتفالي. الجمهور لا يرى مجرد مسؤول يتحدث، بل جسدًا محمَّلًا بالرموز يُقدَّم كمرجع للشرعية بحد ذاته. وفي هذه المسرحة، يترسخ أكثر معنى الجسد المقدس، الذي تحيط به الطقوس والأتباع، ويُعامل كما لو كان مصدرًا للبركة لا مجرد قائد سياسي.
وفي النهاية، من المفيد أن نطلق حملة للتفكير والوعي: إذا أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت حولك إلى كبار السياسيين والتنفيذيين، ستكتشف أن كثيرين منهم يجسدون أنماطًا تسلطية في أجسادهم وحضورهم، بينما قليلون فقط يملكون ما يمكن أن نسميه “الجسد الديمقراطي”؛ ذلك الجسد الذي ينفتح على الناس، يتحرك بينهم بلا حواجز، ويُظهر المرونة والود بدلًا من الصرامة والهيمنة.
الفارق بين الجسد التسلطي والجسد الديمقراطي ليس مجرد تفاصيل شكلية، بل هو انعكاس لثقافتين سياسيتين مختلفتين: الأولى تضع الجسد في موضع السيطرة، والثانية تجعله مساحة للإنصات والمشاركة. التفكير في هذا الفارق خطوة أولى لبناء وعي جديد حول أي نوع من السياسة نريد أن يسود مستقبلًا.





