في هذه اللحظة الفارقة من عمر الحياة السياسية المصرية، يقف حزب الوفد العريق أمام استحقاق انتخابي لا يشبه سابقيه، فهو ليس مجرد تنافس على مقعد الرئاسة، بل هو استفتاء على “القدرة على البقاء”. إن حجم التحديات التي تحاصر بيت الأمة باتت أضخم من أن تعالج بالمسكنات التقليدية أو الخطب الرنانة، فالجسد الوفدي يعاني، والجدران التي طالما كانت ملاذا للمصريين تحتاج اليوم إلى من يسندها قبل أن يفكر في تزيينها.
ولعل السؤال الأخطر الذي يجب أن يواجه به كل مرشح نفسه قبل أن يواجه به الجمعية العمومية هو: هل تدرك حقا حجم الكارثة؟ إن الوفد اليوم لا يحتاج إلى “رئيس” بمفهوم الوجاهة الاجتماعية، بل يحتاج إلى “منقذ” يمتلك مشرط جراح ورؤية مهندس. ومن هنا، فإن أي خريطة طريق للمستقبل لا تعتمد على مسارين متوازيين، هي محض سراب.
المسار الأول: برنامج الإنقاذ الداخلي (البيت والمنبر)
لا يمكن لسياسي أن يقود أمة وهو عاجز عن إدارة بيته. إن حزب الوفد يعاني من أزمات هيكلية وتمويلية طاحنة، وفي القلب منها تقع “جريدة الوفد”. الجريدة ليست مشروعا تجاريا، بل هي رئة الحزب ولسانه وصوته العالي، وتراجعها يعني خفوت صوت الليبرالية المصرية.
لذا، فإن المرشح الجاد هو من يقدم برنامجاً واضحاً لانتشال الجريدة والمؤسسة من عثراتها المالية، خطة تعيد للصحفيين والعمال حقوقهم وكرامتهم، وتطور المنظومة الإعلامية لتواكب العصر، وتعيد هيكلة الحزب إدارياً ليكون مؤسسة منتجة لا عبئاً على ذاتها. هذا البرنامج ليس ترفاً، بل هو “طوق النجاة”.
المسار الثاني: البرنامج السياسي (الوفد والدولة)
على الجانب الآخر، يخطئ من يظن أن إصلاح الداخل يكفي. فالوفد حزب سياسي يسعى للسلطة والمشاركة في صنع القرار، وليس جمعية خيرية. الوفديون ينتظرون، والشارع المصري يترقب، رؤية الحزب لقضايا الوطن الكبرى.
أين الوفد من الملف الاقتصادي؟ ما هي رؤيته للتعليم والصحة والسياسة الخارجية؟ مطلوب برنامج سياسي محكم يعيد الحزب ليكون “حكومة ظل” حقيقية، يقدم البدائل والحلول، ويشتبك مع هموم المواطن في الشارع والقرية والمصنع. برنامج يعيد للهيئة البرلمانية للحزب هيبتها وثقلها التشريعي.
الخلاصة
إن الوفديين اليوم أمام اختبار وعي حقيقي. المرشح الذي يخلط الأوراق، أو يكتفي بوعود سياسية عامة دون حلول لمشاكل البيت الداخلي، هو مرشح يحرث في البحر. والمرشح الذي يغرق في التفاصيل الإدارية دون أن يمتلك خيالاً سياسياً يعيد الوفد لصدارة المشهد الوطني، هو موظف كفء وليس زعيماً سياسياً.
المرحلة تتطلب “الرجل الاستثنائي” الذي يحمل في يمينه “مشروع إعادة بناء المؤسسة والجريدة”، وفي يساره “مشروع نهضة مصر السياسية”.. فأي من المرشحين يمتلك اليدين معاً؟





















