حذر المفكر الدكتور حسام بدراوي من اختزال سياسات القبول الجامعي في الاستجابة لاحتياجات سوق العمل الحالية، مؤكدًا أن سوق العمل الذي يلتحق الطالب بالجامعة اليوم للاستعداد له قد يتغير بصورة كبيرة قبل تخرجه، وأن المهمة الأساسية للتعليم يجب أن تتمثل في بناء طالب قادر على التعلم المستمر والتكيف مع التحولات.
وقال بدراوي، في تصريحات خاصة لـ”الحرية“، تعليقًا على التوجه نحو زيادة أعداد الطلاب في تخصصات مثل الحاسبات والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والطب والهندسة والتمريض والتعليم الصناعي والزراعة والسياحة، إن زيادة أعداد المقبولين في هذه المجالات تبدو منطقية في ضوء التحولات التي يشهدها سوق العمل، لكنه شدد على أن “المنطق الظاهر لقرار ما لا يعني دائمًا أنه المنطق الأعمق”.
اقرأ أيضًا: الرئيس السيسي يتابع الاستعدادات للعام الدراسي الجديد وتطوير المناهج
وأوضح أن السؤال الأهم يجب أن يكون: هل نُعد أبناءنا لعالم موجود، أم لعالم لم يولد بعد؟، مشيرًا إلى أن الطالب الذي يلتحق اليوم بتخصص جامعي باعتباره مطلوبًا في سوق العمل لن يبدأ حياته المهنية قبل أربع أو خمس سنوات، وهي فترة كافية لتغير طبيعة كثير من الوظائف والمهارات المطلوبة.
وأكد أن التعليم لا ينبغي أن يقتصر على إكساب الطالب مهارة يُعتقد أنها مطلوبة في الوقت الراهن، وإنما يجب أن يمنحه القدرة على التعلم والتكيف وإعادة تشكيل مهاراته كلما تغير العالم من حوله، معتبرًا أن هذه القدرة هي «المهارة الأم» التي يمكن أن تنتج مختلف المهارات الأخرى.
بدراوي: لا يجب أن يتحول التوجيه إلى تضييق على اختيارات الطلاب
وفيما يتعلق بتقليل أعداد المقبولين في بعض الكليات الأدبية، حذر بدراوي من أن يتحول توجيه الطلاب نحو تخصصات بعينها إلى تضييق على اختياراتهم، مؤكدًا أن لكل شاب الحق في اختيار المجال الذي يتوافق مع ميوله وقدراته وطموحه.
اقرأ أيضًا: حسام بدراوي يكتب: حين تدخل السياسة إلى معمل العظماء.. من يملك قرار العلم؟
وقال إن الشاب الذي يرغب في دراسة التاريخ أو الفلسفة أو الأدب أو العمل في مجالات الكتابة والفن لا ينبغي أن يشعر بأن اختياره أقل قيمة لمجرد أن الطلب على هذه التخصصات لا يظهر بصورة مباشرة في مؤشرات سوق العمل.
وأشار إلى أن المهارات التكنولوجية لم تعد حكرًا على التخصصات العلمية، موضحًا أن الكاتب والفنان والشاعر والمؤلف، وغيرهم من العاملين في المجالات الأدبية والإنسانية، يحتاجون كذلك إلى حد أدنى من المعارف والمهارات العملية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الكليات الأدبية ليست خارج حسابات التنمية
وشدد بدراوي على أن تقييم أهمية الكليات الأدبية والإنسانية من خلال عدد الوظائف المتاحة لخريجيها فقط يمثل، من وجهة نظره، قياسًا غير مكتمل لدورها في المجتمع.
وأوضح أن هذه التخصصات تسهم في بناء الوعي والهوية والثقافة، وتخريج المتخصصين القادرين على كتابة التاريخ، وتشكيل الذائقة العامة، وتعزيز التفكير ومواجهة التطرف بالفكر، مؤكدًا أن المجتمع لا يحتاج إلى المهندسين والأطباء والعلماء فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى الأدباء والمؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع.
بدراوي: المطلوب تحفيز الطلاب لا فرض مسارات عليهم
وطرح بدراوي تصورًا يقوم على أن يكون دور الدولة في هذه المرحلة هو توفير المناخ الاقتصادي الذي يخلق فرص عمل حقيقية في مختلف المجالات، مع تشجيع الشباب على الابتكار وريادة الأعمال وصناعة فرص العمل، بدلًا من التعامل مع الطلاب باعتبارهم أعدادًا يجري توزيعها وفق احتياجات سوق العمل في لحظة زمنية محددة.
وأكد أن الدولة القوية لا تحتاج إلى إعادة توزيع طلابها بين التخصصات فقط، وإنما إلى فتح مسارات متعددة أمامهم، وتحفيزهم على المبادرة والابتكار، مع الحفاظ على حق كل طالب في اختيار الطريق الذي يتناسب مع قدراته وطموحاته.
واختتم بدراوي بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام التعليم المصري ليس المفاضلة بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية، وإنما بناء منظومة تعليمية تمنح الطالب أساسًا معرفيًا ومهاريًا قويًا، وتجعله قادرًا على مواكبة سوق عمل يتغير باستمرار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور التخصصات التي تسهم في بناء وعي المجتمع وثقافته وهويته.





















