أثار تشكيل لجان حصر وتصنيف مناطق الإيجار القديم، المنصوص عليها في القانون رقم 164 لسنة 2025، جدلًا قانونيًا واسعًا، بلغ حد إقامة طعون فردية أمام القضاء الإداري بطلب وقف أو إلغاء أعمال هذه اللجان. ويقتضي ذلك الوقوف على مدى مشروعية هذه الطعون من زاوية دستورية وقانونية خالصة، بعيدًا عن الاعتبارات الاجتماعية أو الضغوط الآنية.
أولًا: الطبيعة القانونية للجان حصر الإيجار القديم
اللجان المنشأة بنص القانون رقم 164 لسنة 2025 هي لجان ذات طبيعة فنية تنفيذية، أُنيط بها دور تحضيري وتمهيدي يتمثل في حصر الوحدات وتصنيف المناطق إلى مميزة ومتوسطة واقتصادية، تمهيدًا لتطبيق الآثار التي رسمها المشرّع لاحقًا.
هذه اللجان لا تُنشئ بذاتها مراكز قانونية جديدة، ولا تُعدّل من عقود قائمة، ولا تُرتب التزامات فورية أو نهائية، ومن ثم فإن ما تباشره من أعمال يدخل في نطاق الأعمال التحضيرية التي استقر قضاء مجلس الدولة على أنها لا تقبل الطعن استقلالًا.
ثانيًا: شرط القرار الإداري القابل للطعن
الأصل المستقر في قضاء المحكمة الإدارية العليا أن:
«الطعن أمام القضاء الإداري لا يُقبل إلا على قرار إداري نهائي يُحدث أثرًا قانونيًا مباشرًا في المركز القانوني للطاعن».
وبتطبيق هذا المبدأ، يتضح أن أعمال لجان الحصر:
لا ترفع قيمة إيجارية بذاتها، لا تُنهي علاقة إيجارية، لا تُعدّل مركزًا قانونيًا قائمًا، ولا تُنشئ التزامًا مباشرًا محددًا، وعليه ينتفي ركن القرار الإداري النهائي، وينعدم معه محل الطعن.
ثالثًا: شرط المصلحة وحدود قيامها بعد انتهاء أعمال لجان الحصر
ولئن كانت لجان الحصر قد أنهت أعمالها فعليًا في جميع المحافظات، وبدأ بعض الملاك في تحصيل القيمة الإيجارية الجديدة والفروق المالية المترتبة على نتائج التصنيف، فإن ذلك لا يترتب عليه بالضرورة قبول الطعون الفردية المقامة على نحو مجرد أو عام.
يبقى شرط المصلحة، وفقًا للمادة (12) من قانون مجلس الدولة، مقيدًا بأن تكون المصلحة شخصية ومباشرة وحالية، قائمة على قرار إداري فردي محدد، مطبق على وحدة بعينها، ومنشئ لأثر قانوني مباشر في المركز القانوني للطاعن.
أما الطعون التي تُقام دون وجود قرار إداري فردي مكتوب أو تُوجَّه إلى أعمال أو نتائج عامة غير مُشخّصة، فإنها تظل قائمة على مصلحة افتراضية أو غير مكتملة الأركان، بما لا يكفي لقبولها شكلًا، وفق ما استقر عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا.
رابعًا: حدود ولاية القضاء الإداري وعدم جواز الطعن غير المباشر على القانون
يتخذ بعض الطاعنين من الطعن على لجان الحصر وسيلة غير مباشرة للطعن على القانون ذاته، وهو مسلك يجاوز حدود المشروعية، ذلك أن: الرقابة على دستورية القوانين تختص بها المحكمة الدستورية العليا وحدها، ولا تمتد ولاية القضاء الإداري إلى تعطيل أو إهدار قانون نافذ صادر عن السلطة التشريعية.
ومن ثم فإن الطعن على اللجان بقصد النيل من القانون يُعد انحرافًا في استعمال حق التقاضي ومخالفة صريحة لاختصاصات الجهات القضائية.
خامسًا: امتناع القضاء الإداري عن التدخل قبل اكتمال البناء القانوني
استقر قضاء مجلس الدولة على مبدأ مفاده: «لا رقابة على إجراء لم يكتمل، ولا خصومة بغير قرار نافذ».
وأي تدخل قضائي بوقف أو إلغاء أعمال اللجان قبل صدور قرارات فردية مكتوبة ومعلنة، يُعد افتئاتًا على مبدأ الفصل بين السلطات، وتدخلًا في نطاق رسم السياسات التشريعية والتنفيذية، وهو ما يلتزم القضاء الإداري بتجنبه حفاظًا على التوازن الدستوري بين السلطات.
سادسًا: الحد الأدنى المؤقت للقيمة الإيجارية وأثره القانوني
نص القانون رقم 164لسنة 2025 على حد أدنى مؤقت للقيمة الإيجارية يُطبّق بقوة القانون لحين اعتماد نتائج لجان الحصر وتصنيف المناطق، وقد بدأ بعض الملاك بالفعل في تحصيل هذه القيمة والفروق المترتبة على النتائج النهائية للتصنيف، دون أن يُنشئ هذا الحد الأدنى مركزًا قانونيًا دائمًا أو مانعًا من تطبيق فروق لاحقة وفق ما تسفر عنه نتائج التصنيف.
الخلاصة القانونية
إن الطعون الفردية المقامة حاليًا ضد لجان حصر الإيجار القديم، رغم انتهاء أعمالها وبدء التحصيل، تُعد: سابقة لأوانها إذا لم تصدر قرارات فردية محددة لكل وحدة،
منعدمة المصلحة بالنسبة لطاعن لا يرتبط قرارًا مباشرًا بوحدته، وغير قائمة على قرار إداري نهائي.
ومآلها القانوني الطبيعي هو الحكم بعدم القبول شكلًا، أما الطريق القانوني السليم، فيتمثل فقط بعد صدور قرار إداري فردي محدد مطبق على وحدة معينة، يُنشئ أثرًا قانونيًا مباشرًا، وحينها وحدها تنفتح أبواب الطعن وفقًا لأحكام القانون.






















