تحقيق- محمد يحيى أبوشنب
لم تعد المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن مجرد جبهة عسكرية على أطراف شبه الجزيرة العربية؛ فمع اتساع الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، تحوّلت الأزمة إلى اختبار صعب للتحالفات الإقليمية، وأعادت القاهرة إلى قلب حسابات الأمن الخليجي، بينما يتحرك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتوسيع دائرة الدعم السياسي والأمني للمملكة.
لكن التطور الأبرز خلال الساعات الأخيرة لم يكن اتصالًا دبلوماسيًا جديدًا فحسب، بل إعلان مصر استعدادها لتقديم «كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة» للسعودية، بالتزامن مع طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضًا برلمانيًا لاتخاذ إجراءات دفاعية إذا طلبت الرياض ذلك. وحتى الآن، يجب التمييز بين إعلان الاستعداد السياسي والأمني وبين صدور تفويض نهائي أو إعلان تفاصيل مشاركة عسكرية مصرية.
القاهرة.. من التضامن السياسي إلى اختبار القرار العسكري
في 17 أكتوبر، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر مستعدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك، مؤكدًا أن القاهرة لا تسعى إلى الاعتداء على أحد، لكنها لن تقبل المساس بأمن السعودية واستقرارها. وطلب السيسي عقد جلسة برلمانية عاجلة للحصول على التفويض اللازم لأي تحرك عسكري محتمل.
وفي اليوم التالي، أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري، عقب اجتماع برئاسة السيسي، استعداد مصر لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية، بما يحمي أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها ومقدساتها الإسلامية.
غير أن مجلس النواب أجّل التصويت على طلب التفويض بعد جلسة مغلقة استمرت قرابة ثلاث ساعات، وفقًا لتقارير صحفية وتصريحات نواب نقلتها وكالات أنباء. واستمرت المناقشات إلى اليوم الاثنين، مع تقارير أشارت إلى احتمال امتدادها إلى الثلاثاء، بينما لم تُعلن تفاصيل رسمية نهائية عن طبيعة الدعم العسكري المحتمل.
وتكمن أهمية الموقف المصري في أن القاهرة لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره ملفًا منفصلًا عن أمنها القومي؛ فالتصعيد قرب باب المندب والبحر الأحمر يضع حركة التجارة الدولية، وقناة السويس، وأمن الملاحة أمام تحديات مباشرة. ووفق تحليل نشرته «الجزيرة»، أشار خبير إلى أن إيرادات قناة السويس تأثرت بنحو 11 مليار دولار منذ بدء الهجمات البحرية عام 2023، وهو تقدير منسوب إلى مصدره وليس حصيلة مستقلة جرى التحقق منها في هذا التحقيق.
المصادر:
– “رويترز – مصر تعلن استعدادها لدعم السعودية في مواجهة الحوثيين، 18 أكتوبر 2026”
– “رويترز – السيسي يطلب دعم البرلمان للدفاع عن السعودية إذا طُلب من مصر ذلك، 17 أكتوبر
– “الجزيرة – ما الذي يمكن أن تقدمه مصر للسعودية في الحرب ضد الحوثيين؟”
محمد بن سلمان.. اتصالات تتجاوز حدود الخليج
لم يبدأ التحرك السعودي مع التطورات المصرية الأخيرة؛ فقد سبقته سلسلة من اللقاءات والاتصالات التي عكست سعي الرياض إلى توسيع دائرة المساندة الدولية والإقليمية، وتأكيد أن أمن المملكة جزء من معادلة استقرار المنطقة.
في 15 سبتمبر، زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان القاهرة والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لقاء تناول ملفات إقليمية، من بينها أمن البحر الأحمر والملاحة. واكتسبت الزيارة أهمية إضافية مع تجدد المواجهات في اليمن، وتصاعد المخاوف من امتداد الهجمات إلى الممرات البحرية الحيوية.
وفي 22 سبتمبر، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالًا بولي العهد السعودي، تناول أمن الملاحة وضرورة ضمان المرور الآمن عبر مضيقي هرمز وباب المندب. ويكشف هذا المسار أن الأزمة لم تعد محصورة في تبادل الضربات، بل باتت مرتبطة أيضًا بأمن الطاقة والتجارة العالمية ومواقف القوى الكبرى.
أما على المسار الأمريكي، فقد أفادت تقارير نقلتها رويترز في سبتمبر بأن الرياض طلبت مساعدة عسكرية أمريكية لمواجهة الحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يوافق حينها على تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة ضدهم، بينما أشارت التقارير إلى عرض دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف. وهذه نقطة مهمة: فالتعاون الاستخباراتي أو الفني لا يعني بالضرورة مشاركة أمريكية مباشرة في القتال.
المصادر:
– “رويترز – اتصال بوتين ومحمد بن سلمان بشأن أمن الملاحة في هرمز وباب المندب، 22 سبتمبر
– “تقرير عن طلب السعودية مساعدة عسكرية أمريكية في مواجهة الحوثيين – رويترز، عبر Yahoo
أنقرة وبرلين وبيروت.. تضامن سياسي مع الرياض
في 13 أكتوبر، تلقى محمد بن سلمان اتصالات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس اللبناني جوزيف عون. ووفق ما نشرته وسائل إعلام سعودية نقلًا عن بيانات رسمية، أدان القادة الهجمات الحوثية على المملكة وأكدوا تضامنهم معها.
أردوغان شدد على دعم تركيا للسعودية في مواجهة الهجمات، فيما أكد المستشار الألماني تضامن بلاده مع المملكة، وأدان الرئيس اللبناني استهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية فيها.
لكن القراءة الدقيقة لهذه المواقف تقتضي الفصل بين التضامن السياسي والإدانة الدبلوماسية من جهة، وبين الالتزام بإرسال قوات أو المشاركة في عمليات عسكرية من جهة أخرى. فالمواقف المنشورة لا تثبت أن الدول الثلاث اتخذت قرارًا بالمشاركة العسكرية المباشرة.
المصدر:
- “Saudi Gazette – اتصالات من قادة ألمانيا وتركيا ولبنان بولي العهد السعودي، 13 أكتوبر 2026”
أبوظبي.. تنسيق أمني في لحظة إقليمية حساسة
في 18 أكتوبر، التقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي، وبحث الجانبان التطورات الإقليمية والأمن.
ويأتي اللقاء بينما تتعرض السعودية لهجمات متصاعدة، وفي وقت تحتاج فيه دول المنطقة إلى تنسيق مواقفها بشأن حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية. ومع ذلك، لا توجد في المعلومات المنشورة عن اللقاء تفاصيل تثبت الاتفاق على عملية عسكرية مشتركة محددة؛ لذلك فإن وصفه بأنه تنسيق أمني وسياسي أدق من الجزم بأنه إعلان عن تحالف قتالي جديد.
المصدر:
– “رويترز – إعلان مصر استعدادها لدعم السعودية وتفاصيل لقاء وزير الدفاع السعودي والرئيس الإماراتي، 18 أكتوبر 2026”
الحوثيون يردّون برسالة إلى البرلمان المصري
في المقابل، وجّه يحيى علي الراعي، رئيس مجلس النواب الخاضع لسيطرة الحوثيين في صنعاء، رسالة إلى رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي، أعرب فيها عن رفضه انخراط مصر في تحرك عسكري لدعم السعودية، محذرًا من أن ذلك قد يشكل خطرًا على الأمن القومي المصري والاستقرار الداخلي.
وتكشف الرسالة عن محاولة حوثية للضغط السياسي على القاهرة قبل حسم مسألة التفويض البرلماني، كما تعكس إدراك الجماعة أن دخول مصر، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وثقل إقليمي، قد يغيّر حسابات المواجهة.
لكن من المهم صحفيًا عدم تحويل مضمون الرسالة إلى «تهديد بقصف القاهرة» أو إعلان عن هجوم حوثي وشيك على مصر؛ فالنص المنشور يتضمن تحذيرًا سياسيًا من عواقب التدخل العسكري، ولا يعلن صراحةً نية استهداف العاصمة المصرية.
المصادر:
– “وكالة سبأ في صنعاء – نص رسالة يحيى الراعي إلى رئيس مجلس النواب المصري، 17 أكتوبر 2026″
مصر تتعهد بدعم السعودية والحوثيون يحذرون القاهرة من التدخل العسكري، 18 أكتوبر 2026”
ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟
تتوقف الخطوة التالية على ثلاثة مسارات متداخلة: ما سيقرره البرلمان المصري بشأن التفويض، وما إذا كانت الرياض ستطلب رسميًا مساعدة محددة من القاهرة، وما إذا كانت الاتصالات الإقليمية ستفتح بابًا لخفض التصعيد أو ستبقى في إطار بناء الدعم السياسي والأمني.
وتطرح التحليلات المنشورة احتمالات مثل تعزيز الدفاعات الجوية، والتصدي للطائرات المسيّرة، وحماية الملاحة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. لكن هذه تظل سيناريوهات وتقديرات تحليلية وليست إعلانًا رسميًا عن خطة مصرية معتمدة.
وفي المقابل، فإن اتساع الهجمات قرب المطارات والمنشآت النفطية والممرات البحرية يزيد كلفة استمرار المواجهة، ليس على السعودية واليمن وحدهما، بل على حركة التجارة وأسواق الطاقة ودول المنطقة.
الخلاصة: يتحرك محمد بن سلمان على أكثر من مسار، من القاهرة إلى موسكو وأنقرة وبرلين وأبوظبي، ساعيًا إلى حشد التأييد لأمن المملكة في مواجهة الحوثيين. لكن الاختبار الأهم الآن ليس عدد الاتصالات أو بيانات التضامن، وإنما ما إذا كانت هذه التحركات ستقود إلى دعم عملي محدد، أم ستظل في إطار الردع السياسي والأمني، بالتوازي مع محاولات منع اتساع الحرب.






















