المقال التالي نشرته في 30 مارس 2011 ، وكنت احاول من خلاله إضاءة بعض مصابيح الإنذار ، نتيجة لما لاحظته من اندفاع الثورة وقتذاك ، ورغبتها الجامحة في الصدام مع الصهاينة قبل أن تعيد ترتيب البيت من الداخل .
وأجدني اليوم في حاجة لإعادة نشر هذا المقال دون أن أغير حرفا واحدا فيه …
تحية للثورة والثوار..
وهي تحية واجبة مستحقة ، ولكنها أيضاً تبدو كمقدمة مفروضة حتي لا يساء الفهم أو تتناثر السهام مصوبة إلي السطور اللاحقة باتهامات مثل الثورة المضادة والخيانة والعار ..
رغم أن ” الثورة ” حتي الآن تبدو جسماً بلا رأس ، فأن بعض ما يتناثر من ” مواقف ” و” بيانات ثورية ” يثير القلق ..
وبغض النظر عن الإجتهادات المتباينة في الشأن الداخلي ، فأنه لا يمكن أن نجد ” موقفاً ” أو ” بياناً ثورياً ” يتعلق بالسياسة الخارجية لمصر الثورة إلا فيما ندر ..
وقد يكون ذلك مفهوماً علي ضوء أن أغلب إن لم يكن كل أسباب ” الثورة ” قد نبعت من هموم ومشاغل مغرقة في محليتها : ” الحرية ، الكرامة ، العدالة الإجتماعية ” ، فهي مطالب جمعت الغالبية الساحقة من الشعب المصري ، واجتمعت عليها أغلب الشعارات التي رفعت في ميدان التحرير وميادين أخري ..
ومع ذلك ، فقد برزت بعض ” المواقف ” وصدرت بعض ” التصريحات الثورية ” التي تتعلق بالموقف من إسرائيل ، كان أدناها هو المطالبة بإعادة النظر في إتفاقية السلام المصرية / الإسرائيلية ، بينما وصل أقصاها إلي المطالبة بإعادة النظر في وجود دولة إسرائيل نفسها ..
وقد تصاحب مع ذلك شحنات دافقة من بعض المنابر الإعلامية الفضائية ” الثائرة ” التي تدق طبول النصر وتبشر بجيش صلاح الدين الأيوبي وتحرير القدس ..
وربما يبدو ذلك رائعاً وملهماً وحماسياً ، وقد يكون بالفعل تعبيراً عن أحلام ورغبات كامنة في الوجدان الشعبي ظلت مكبوتة منذ أن توقف إطلاق النار علي الجبهة المصرية في شتاء عام1973 ..
إلا أن سياسة الدول لا تقتصر علي الحماس والأحلام والرغبات ، وإنما تبني علي حساب دقيق لعناصر القوة الشاملة وما يمكن تحقيقه من مصالح وتفاديه من أخطار ..
أن إسرائيل منذ نشأتها قد استندت في استراتيجيتها علي دفع العدو لإتخاذ قرارات خاطئة بل وإثارته المتعمدة كي يتخذ هذه القرارات تحت تأثير الإنفعال والعاطفة ، ثم تقوم بما تسميه دائماً ” الحرب الإستباقية ” Preemptive attack ، وتهلل في العالم كله بأنها في حالة دفاع عن النفس Self defense ، كي تكتسب التعاطف الدولي ..
أليس من المريب أن أجهزة الدعاية الإسرائيلية والعالمية ( وبعض العربية ) تسرب بشكل منهجي أن الثورات المتتالية التي بدأت بتونس ولن تنتهي بليبيا تعني بداية النهاية لدولة إسرائيل ؟ ..
بل أن تسيبي ليفني أوصت بضرورة الإسراع في التفاوض مع الفلسطينيين قبل أن تحل الكارثة ؟ .. كما أن مراكز الدراسات الدولية سارعت بنشر دراسات ” علمية ” تؤكد فيها المخاطر المحدقة بإسرائيل في ظل تلك الثورات الشعبية ..
ليس هذا فحسب ، بل أن هذا التخويف يتم تلوينه بحذق بألوان إسلامية كي يلعب علي مشاعر وأفكار العالم يشمل تجميع صورة ذهنية ما بين ” الإرهاب ” و ” الإسلاموفوبيا ” و ” الثورات العربية الشعبية ” ..
أن إسرائيل التي بدأت تعاني في السنوات الأخيرة من عزلتها في أوساط كثيرة في العالم نتيجة لسياساتها العنصرية والوحشية ، سوف تحاول بلا شك أن تستغل تلك الأحداث كي تكسر عزلتها، بل وربما للتوسع في تلك السياسات بنفس الحجة القديمة ” الدفاع عن النفس ” ..
وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة ، قد لا يكون من الحكمة منح إسرائيل هذه الذريعة ..
ولكن هل يعني ذلك كبت المشاعر والرغبات والأحلام ؟ ..
والأجابة علي ذلك قاطعة بالنفي .. بشرط أن لا تكون أبداً لغة الخطاب الرسمي في الوقت الحالي ، مهما كان إغراؤها وشعبيتها ، لأنه بدون إكتمال عناصر القوة الشاملة لا ينبغي الإنجرار إلي مواجهات وصراعات لا نمتلك بعد أدواتها سواء في حدها الأدني أو في حدها الأقصي …
بعد كل ما حدث ودار خلال السنوات الماضية ، فأن الجسد السياسي المصري يحتاج لفترة من النقاهة وإسترداد العافية ، فهو لا يزال عرضة لجراثيم مختلفة ، وربما لإنتكاسة مرضية ، ولا يجوز أن يندفع هذا الجسد المنهك إلي صراع آخر قبل أن يسترد قواه بالفعل وأولها بالطبع بناء مجتمع صحي يتمتع بالحرية المسئولة والتعددية وتداول السلطة والعدل الإجتماعي ، وكذلك تنمية إقتصادية حقيقية ..
أن مهمة السياسة الخارجية الأولي ولفترة غير قصيرة في المستقبل يجب أن تتمحور حول بناء الجسور الأقليمية القوية مع العناصر ” الثورية ” العربية الناهضة ، من خلال تأسيس تعاون وتكامل إقتصادي منهجي وعلمي وطموح ، وتأمين الإتجاه الإستراتيجي الجنوبي في العمق الإفريقي ، والإستمرار في مخاطبة العالم والتواصل معه بلغة غير صدامية تعكس الرصيد الحضاري الكبير لهذه الأمة وتحقق مصالحها ..
وأرجو لمن يقرأ هذه السطور ألا تأخذه الظنون ، أو يبادر بإطلاق سهام الإتهامات الجاهزة ، لأن هذه السطور عاشت تجربة النار والبارود ، واجتهدت للتزود بذخيرة العصر ، وعلي أي حال فأن للمجتهد نصيب من الثواب سواء أصاب أو أخطأ ، والله هو المستعان ..






















