في رحلاتي السياحية، لم أكن أستسيغ الرحلات المنظمة التي يقودني فيها مرشد سياحي، ضمن مجموعة نتبعه كالأطفال ونحن نحمل أعلامًا حتى لا نتوه.
وذلك لا يقلل من شأن من يفضل هذا الأسلوب، إذ كانت زوجتي الحبيبة إيمان – شفاها الله – تميل إليه.
وفي فجر الشباب، زرت ولاية فلوريدا في رحلة سياحية، وكنت أتجول معظم الوقت وحدي، وأتحدث مع الناس بحرية. لكنني استيقظت ذات صباح وقررت أن أجرب رحلة منظمة (sightseeing) لمدينة ميامي.
كانت المرشدة السياحية سيدة عجوزًا، لا تكف عن الصياح في الأتوبيس لتوجه أنظارنا تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال.
ونزلنا لزيارة قصر منيف، واندفعت المرشدة الوقور في الشرح بحماس عن تاريخ القصر، وأسهبت في وصف الأشجار والنباتات النادرة. ثم وقفت أمام فازة يبلغ طولها مترين، وبدأت تحكي عن تاريخ استيرادها من إيطاليا، موضحة أنها كانت الأغلى و.. و..
وجدت نفسي أبتعد عن المجموعة كي أعيد التأمل في الحديقة التي كانت رائعة بالفعل، وأدخن سيجارة (إذ كنت لا أزال أمارس عادة التدخين الرذيلة).
فوجئت بالسيدة العجوز الوقور تصيح بي قائلة: “أنت.. أيها الشاب هناك.. ماذا تفعل؟”.
قلت لها: “أتأمل جمال الحديقة وأدخن”.
هزت رأسها في أسف قائلة: “هل تعرف ماذا تخسر؟ هذه فازة تستحق التأمل والتصوير، هل تعرف أن عمرها مائتا عام؟”.
قلت لها ببرود: “سيدتي.. إن بيت جدتي عمره أكثر من مائتي عام!”.
فزغرتني مذهولة وسألتني عن بلدي، فأجبتها ببساطة: “مصر”.
شهقت ملوحة بيدها وهي تتمتم بما معناه: “عندك حق.. اذهب إلى حيث شئت”.
وفي رحلة العودة إلى الفندق، جلست بجواري وروت لي زيارتها إلى مصر. قالت إن كل حجر فيها هو تاريخ يتجدد.
وكل ما أتذكره أن هذه المرشدة كان اسمها “إيفون”، ولا أدري ماذا كان يمكن أن تقول اليوم عن أحجار مصر، إذا كانت لا تزال على قيد الحياة!..





















