كتب الخبير الاقتصادي معتز علي الجرتلي أن العلاقة بين القطاع المصرفي في مصر (البنوك) والقطاع المالي غير المصرفي ليست علاقة صراع أو تنافس صفري، بل هي في الأساس علاقة تكاملية يتخللها قدر من المنافسة الشريفة، تحت مظلة رقابية قوية يشرف عليها البنك المركزي المصري وهيئة الرقابة المالية.
وأوضح الجرتلي أن القطاعين يعملان داخل منظومة مالية واحدة، لكن بأدوار مختلفة تتكامل في النهاية لخدمة الاقتصاد والمواطن.
أولاً: التكامل بين القطاعين.. كيف يعمل النظام المالي؟
يرى الجرتلي أن البنوك ليست في مواجهة مع شركات التمويل غير المصرفي، بل هي بمثابة “الممول الأكبر” الذي يضخ السيولة، بينما تقوم الشركات غير المصرفية بإعادة توزيع هذه السيولة في السوق بشكل أكثر مرونة وانتشارًا.
وأشار إلى أن البنوك تمتلك قدرات تمويلية ضخمة، لكنها تخضع في بعض الأحيان لإجراءات ومعايير ائتمانية صارمة قد لا تناسب المشروعات الصغيرة أو الأفراد محدودي الدخل، وهنا يظهر دور شركات التمويل متناهي الصغر والتقسيط، التي تحصل على تمويل من البنوك ثم تعيد توجيهه إلى شرائح أوسع من العملاء.
وأضاف أن أحد أبرز أوجه التكامل يتمثل في التوريق، حيث تقوم شركات التمويل العقاري والتقسيط بتحويل محافظها الائتمانية إلى سندات تُطرح في سوق المال، ويقوم المستثمرون والبنوك بشرائها مقابل سيولة نقدية، ما يتيح لتلك الشركات التوسع في منح التمويل بشكل أكبر.
كما لفت إلى دور شركات إدارة الأصول والوساطة المالية في إدارة استثمارات البنوك داخل البورصة وصناديق الاستثمار، وهو ما يعكس تكاملاً واضحًا بين القطاعين في إدارة الأموال والأسواق.
ثانيًا: أين تظهر المنافسة بين الطرفين؟
أوضح الجرتلي أن المنافسة تظهر بشكل مباشر عندما يتجه الطرفان إلى نفس العميل النهائي.
ففي السابق، كان الحصول على قرض استهلاكي مثل شراء جهاز منزلي أو سيارة يتطلب إجراءات بنكية طويلة، بينما اليوم تقدم شركات التقسيط الرقمي حلولاً سريعة عبر تطبيقات الهاتف المحمول، قد تمنح الموافقة الائتمانية خلال دقائق داخل نقاط البيع، وهو ما جذب شريحة من العملاء بعيدًا عن القروض التقليدية وبطاقات الائتمان.
كما تمتد المنافسة إلى الادخار والاستثمار، حيث تنافس صناديق الاستثمار النقدية والمنتجات المالية غير المصرفية شهادات الادخار والودائع البنكية، من خلال تقديم سيولة أعلى أو عوائد مختلفة.
وتظهر المنافسة كذلك في تمويل الشركات المتوسطة، التي أصبحت تلجأ إلى التأجير التمويلي والتخصيم كبدائل أسرع من القروض البنكية التقليدية التي قد تستغرق وقتًا أطول وإجراءات أكثر تعقيدًا.
ثالثًا: التكنولوجيا المالية.. كلمة السر في إعادة تشكيل السوق
واختتم الجرتلي تحليله بالتأكيد على أن التكنولوجيا المالية (FinTech) أصبحت العامل الحاسم في إعادة رسم العلاقة بين القطاعين في مصر.
وأشار إلى أن البنوك بدأت تتجه للاستثمار في شركات الدفع الإلكتروني والتقسيط الرقمي، بينما لا تستطيع شركات التمويل غير المصرفي الاستغناء عن البنوك في البنية التحتية المالية مثل التحويلات وربط الأنظمة الرقمية، إضافة إلى خدمات مثل “إنستا باي” و”ميزة”.
واعتبر الجرتلي أن النظام المالي في مصر يقوم على معادلة متوازنة، حيث يمثل القطاع المصرفي “القلب والعمود الفقري” لتدفق الأموال، بينما يمثل القطاع غير المصرفي “الأذرع السريعة” التي تصل بالخدمات المالية إلى مختلف شرائح المجتمع، بما يضمن اتساع نطاق الشمول المالي وزيادة كفاءة السوق.






















