تظل حرب السادس من أكتوبر عام 1973 علامة خالدة في تاريخ الأمة العربية والمصرية، يومًا استعاد فيه العرب ثقتهم بأنفسهم، واستعادت فيه مصر أرضها وكرامتها، فكانت معركة الشرف والعزة التي أذابت مرارة النكسة، وأثبتت أن الإيمان والعلم والتخطيط قادر على تحطيم المستحيل. فبعد هزيمة يونيو 1967، لم تقف مصر موقف العاجز، بل نهضت بكل ما تملك من روح وعزيمة، وبدأت مرحلة جديدة من التحدي والإصرار، مدركة أن الهزيمة لا تعني النهاية، وإنما بداية طريق جديد لاستعادة الأرض والكرامة.
انطلقت القيادة المصرية في عملية إعادة بناء شاملة للجيش على أسس علمية وعسكرية حديثة، شملت التدريب والتسليح وتطوير العقيدة القتالية. قاد الرئيس جمال عبد الناصر هذه المرحلة بكل صبر وثبات، ثم استكملها الرئيس أنور السادات برؤية شاملة وحكمة القرار، حتى أصبح الجيش المصري في أوائل السبعينيات قوة متماسكة تمتلك أحدث الأسلحة، وتستند إلى علم وخبرة ومعنويات مرتفعة. كان شعار المرحلة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، فتحول الوطن كله إلى خلية عمل واحدة تستعد للثأر من الهزيمة واستعادة الأرض.
وفي تلك الفترة الصعبة، خاضت مصر حرب الاستنزاف بين عامي 1968 و1970، وكانت مدرسة جديدة في القتال هدفها إنهاك العدو الإسرائيلي وإعادة الثقة إلى الجندي المصري. نفذت القوات المسلحة خلالها عمليات نوعية جريئة أعادت الثقة للشعب وللمقاتلين، وأثبتت أن المصري لا يعرف الاستسلام، وأنه قادر على تحويل الألم إلى أمل، والهزيمة إلى دافع للنصر. وقف الشعب المصري خلف جيشه بكل ما يملك من صبر وفداء، محتملًا ضيق العيش، مقدّمًا الغالي والنفيس دعمًا للمعركة، لتتحد إرادة الأمة على كلمة واحدة: استعادة الكرامة.
وجاء يوم السادس من أكتوبر عام 1973، العاشر من رمضان، ليكون يوم النصر الأكبر ويوم العزة الخالد. في تمام الساعة الثانية ظهرًا انطلقت الضربة الجوية الأولى بقيادة الفريق محمد حسني مبارك، فكانت دقيقة ومحكمة، استهدفت مواقع العدو في عمق سيناء بدقة مذهلة أربكت صفوفه ومهدت الطريق لعبور قواتنا البرية قناة السويس في ملحمة نادرة. كانت صيحات «الله أكبر» تزلزل الأرض والسماء، تحمل الإيمان في قلوب المقاتلين، وهم يعبرون القناة وسط نيران العدو، في مشهدٍ يفيض بطولةً وإقدامًا وإيمانًا بالنصر. خلال ساعات معدودة، تمكن جنود مصر من تحطيم خط بارليف الحصين، ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية، في لحظةٍ غيّرت وجه التاريخ.
وفي الوقت نفسه، كانت القوات البحرية المصرية تسطّر بطولات خالدة في البحرين الأحمر والمتوسط، فأحكمت الحصار البحري على العدو الإسرائيلي، ومنعت مرور الإمدادات إليه عبر مضيق باب المندب، ونفذت عمليات نوعية أمنت السواحل المصرية وقطعت خطوط الإمداد المعادية. كانت هذه الإنجازات البحرية إحدى ركائز النصر، وأثبتت قدرة مصر على القتال المتكامل في البر والبحر والجو.
ولم تكن مصر وحدها في ميدان الشرف، فقد وقفت الأمة العربية كلها صفًا واحدًا. شاركت سوريا الشقيقة بجسارة في القتال على جبهة الجولان، وقدّمت الدول العربية دعمًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لمصر وسوريا، فكانت المعركة معركة الأمة كلها. ساندت المملكة العربية السعودية المعركة بموقفها التاريخي بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز، حين قرر قطع النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل، ليهزّ بذلك ضمير العالم، وليثبت أن للأمة العربية قوة اقتصادية لا تقل عن قوتها العسكرية. قال الملك فيصل كلمته الخالدة: «إننا مستعدون للعودة إلى حياة الخيام إذا كان في ذلك نصرة لعروبتنا وإسلامنا»، فكانت تلك العبارة وقودًا لمشاعر العزة والكرامة في كل بيت عربي.
وفي الخليج العربي، أعلن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، موقفه العروبي الصادق حين قال: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وفتح خزائن بلاده لدعم مصر وسوريا بكل ما تحتاجانه من مالٍ وسلاح، إيمانًا منه بأن وحدة المصير العربي فوق كل اعتبار. كما ساهمت الكويت والعراق والجزائر وليبيا والمغرب والسودان بجهود مشهودة، سواء بالدعم المادي أو بالمشاركة الميدانية، فامتزجت الدماء العربية على ضفتي القناة، وتجلى التضامن العربي في أبهى صوره، لتثبت هذه الحرب أن العرب إذا اجتمعوا لا يُهزمون.
ومع تقدم القوات المصرية على أرض سيناء وارتفاع رايات النصر، بدأ الجهد السياسي والدبلوماسي بقيادة الرئيس أنور السادات ليترجم الانتصار العسكري إلى استعادة كاملة للأرض. وبالفعل، أثمرت تلك الجهود عن استعادة مصر لأراضيها المحتلة كاملة، وتوقيع اتفاقية السلام عام 1979، التي أعادت سيناء إلى حضن الوطن، وأثبتت أن السلام الحقيقي لا يُصنع إلا من موقع القوة. كانت مصر تُقاتل بيد، وتبني باليد الأخرى، وتحمل للعالم رسالة مفادها أن السلام ليس ضعفًا، بل هو ثمرة النصر وثقة المنتصر بنفسه.
لقد كان نصر أكتوبر نصرًا للعزة والكرامة والإيمان، نصرًا للشعوب التي لم تنكسر رغم الجراح، نصرًا للإرادة التي آمنت بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. لم يكن النصر مجرّد انتصار عسكري، بل كان انتصارًا للروح، انتصارًا للإنسان المصري والعربي الذي عرف أن الحق لا يُسترد إلا بالتضحية. ولقد سجل التاريخ أن الشعب المصري كان البطل الصامت في هذه الملحمة، صبر وتحمل، ودعم جيشه بالمال والعرق والدعاء، فكان الجيش والشعب نسيجًا واحدًا لا ينفصم، اجتمعا على هدف واحد هو تحرير الأرض وصون الكرامة.
وإذا كانت الجيوش تُقاس ببطولاتها، فإن القوات المسلحة المصرية هي المدرسة التي تُدرّس فيها معاني البطولة والتضحية والانتماء. جيشٌ لا يعرف الخيانة، ولا يكلّ ولا يملّ من حماية الوطن. قادته وجنوده جسّدوا معنى الرجولة في الميدان، وسطروا أسماءهم بأحرفٍ من نورٍ في سجل الخلود. وفي هذه الذكرى الخالدة، نتوجه بأسمى معاني الإجلال والفخر إلى قواتنا المسلحة المصرية الباسلة، قادةً وجنودًا، وإلى شهدائنا الأبرار الذين كتبوا بدمائهم الطاهرة أنشودة النصر والحرية، وإلى كل أمٍّ زغردت وهي تودّع ابنها إلى ساحة الشرف، وإلى كل أبٍ صبر واحتسب، وإلى كل يدٍ رفعت علم مصر عاليًا على ضفاف القناة.
ستظل حرب أكتوبر المجيدة ملحمة خالدة في ضمير الأمة، وشاهدًا على أن مصر حين تُهان تنهض، وحين تُعتدى عليها تقاتل بشرف، وحين تنتصر تمد يدها بالسلام. إنها مصر التي تقاتل لتصون الحق، وتبني لتصنع المستقبل، وتعيش لتكون دائمًا قلب العروبة النابض وأرض البطولة والسلام. المجد لمصر، ولجيشها العظيم، ولشعبها الصامد، ولأمتها العربية التي توحدت يومًا تحت راية النصر، وستظل قادرة بإذن الله على صنع المجد من جديد.


















