هناك من يصنع محتوى يستحق المشاهدة، وهناك من يتخذ من السخرية من الناس وسيلة للشهرة، ومن إحراجهم طريقًا إلى المشاهدات، ومن كرامتهم سلعة يراهن بها على الأرباح. وبين صناعة المحتوى واستغلال الآخرين فارق لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ فالأولى تقوم على الفكرة والرأي، والثانية قد تقوم على الاستفزاز والإساءة، ثم تختبئ خلف شعار حرية التعبير.
ما يحدث حول مولد السيد البدوي بمدينة طنطا يفرض علينا وقفة جادة. ليست القضية أن المناسبة فوق النقد، ولا أن زوارها فوق الاختلاف، وإنما أن احترام الإنسان يجب ألا يتوقف على مدى اتفاقنا معه.
فمن حق أي شخص أن ينتقد ممارسة لا يقتنع بها، لكن ليس من حقه أن يحوّل أصحابها إلى مادة للسخرية والإهانة، ثم يعتبر ما فعله نجاحًا لمجرد أن مقطعه حقق مشاهدات مرتفعة.
انتقد ما تشاء، لكن ناقش الفكرة ولا تهن صاحبها. اختلف كما تريد، لكن لا تجعل الاختلاف مبررًا لاحتقار الآخرين.
مولد السيد البدوي له حرمته ومكانته لدى قطاع من المواطنين، وزواره لهم كرامتهم وحقوقهم، حتى لو اختلفنا معهم في بعض المعتقدات أو الممارسات.
وهذا ليس مجرد رأي شخصي أدافع به عن وجهة نظري، بل مبدأ ينبغي أن يكون حاضرًا في كل خطاب يدعو إلى الأخلاق واحترام الإنسان. وأنا هنا لا أدافع عن كل ما يحدث في الموالد، ولا أطالب أحدًا بالتخلي عن قناعاته، وإنما أرفض أن يتحول الاختلاف إلى ترخيص بالإهانة.
فثمة فارق كبير بين من يصوّر ظاهرة ليناقشها، ومن يتعمد إحراج الناس كي يصنع مشهدًا مثيرًا. الأول يقدم رأيًا يمكن مناقشته والرد عليه، أما الثاني فيخاطر بتحويل أشخاص عاديين إلى مادة للفرجة، لا لشيء إلا لأن السخرية قد تجلب مشاهدات أكثر من النقاش الجاد.
النقد يواجه الفكرة بالحجة، أما الإهانة فتستهدف الإنسان بدلًا من مناقشة فكرته. الأول يفتح باب الحوار، والثانية تستبدل بالحوار استعراضًا لا ينتصر فيه أحد، حتى لو ضحك الجمهور.
والمشكلة أن بعض صُنّاع المحتوى يتعاملون مع الشهرة باعتبارها غاية تبرر كل وسيلة، وكأن الهاتف المحمول يمنح صاحبه حقًا في اقتحام خصوصية الناس أو الانتقاص من كرامتهم.
فإذا أثار المقطع جدلًا، اعتبروا ذلك نجاحًا، وإذا اعترض الناس على مضمونه، تحولت الانتقادات إلى فرصة جديدة لمزيد من الانتشار.
لكن منذ متى أصبحت الوقاحة دليلًا على الشجاعة؟ ومن قال إن القدرة على استفزاز الناس تعني القدرة على إقناعهم؟ إن عدد المشاهدات لا يقيس قيمة الفكرة، والشهرة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، والربح لا يحوّل الإساءة إلى عمل مقبول.
وهنا أوجّه السؤال إلى وزارة الأوقاف وأئمتها وشيوخها: إذا كان الخطاب الديني يدعو إلى الأخلاق واحترام الإنسان، فأين حضور هذه المبادئ حين يتعرض المختلفون للسخرية والانتقاص؟ أليس من واجب الخطاب الديني أن يرسخ أدب الاختلاف، وأن يوضح أن النصيحة لا تكون بالتحقير، وأن تصحيح ما نراه خطأً لا يتطلب امتهان كرامة أصحابه؟
لسنا نطالب الأوقاف بتأييد كل ما يحدث في الموالد، ولا بمنع النقد أو مصادرة الرأي، وإنما نطالبها بأن تؤدي دورها التوعوي بوضوح، وأن تؤكد أن احترام الإنسان لا يتوقف على موافقتنا على معتقداته أو ممارساته.
فالمؤسسة الدينية مطالبة بأن تسهم في مواجهة ثقافة الاستعلاء والسخرية، وأن تميز في خطابها بين مناقشة الأفكار وإهانة أصحابها.
أما الأجهزة الأمنية، فالمطلوب منها التعامل الجاد مع الوقائع التي تستدعي الفحص، وهنا أطالب بوضوح بفحص الفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تسخر من زوار مولد السيد البدوي أو تتضمن إساءة إليهم، والتحقق من مضمونها وملابسات تصويرها ونشرها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة إذا ثبتت مخالفات تستوجب المساءلة.
ليس مقبولًا أن تتحول كرامة المواطنين إلى مادة للتندر، وأن يصبح إحراج الناس واستفزازهم وسيلة سهلة لجمع المشاهدات، ثم يُختزل الأمر كله في عبارة «ده محتوى».
فالمحتوى ليس إعفاءً من المسؤولية، ومواقع التواصل ليست مساحة خارج القانون، كما أن حرية التعبير لا تعني أن يصبح كل تجاوز مباحًا.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون الفحص منضبطًا وعادلًا؛ فلا تُجرَّم مقاطع لمجرد أنها تنتقد المولد أو تناقش بعض الممارسات المرتبطة به، ولا يُدان أحد لمجرد اختلافه في الرأي. المطلوب هو التمييز بين النقد المشروع والسخرية التي قد تنطوي على مخالفة، وبين التعبير عن موقف شخصي وأي فعل يستوجب المساءلة القانونية. فالحكم يكون على الوقائع والأدلة، لا على الانطباعات أو الضغوط.
وهنا تتكامل المسؤوليات: الأوقاف بخطابها الديني والتوعوي، والأجهزة الأمنية بفحص الوقائع التي تدخل في اختصاصها، والجهات القانونية والقضائية المختصة بالفصل في المخالفات التي تستدعي ذلك.
وإذا ثبت تقصير من جهة مختصة في أداء واجب محدد، وجبت مساءلة المسؤول عنه وفقًا للقواعد القانونية والإدارية. فالمطالبة بالمحاسبة ليست اتهامًا مسبقًا، وإنما دعوة إلى التحقق والإنصاف وعدم ترك المخالفات الثابتة بلا إجراء.
ولا يجوز، في المقابل، أن نحمّل الدولة وحدها مسؤولية كل ما يحدث. فصانع المحتوى مسؤول عن اختياراته، والجمهور مسؤول عن عدم مكافأة الإساءة بالتداول والترويج، والمواطن مسؤول عن احترام المختلفين معه. لا يستقيم أن نطالب باحترام كرامتنا، ثم نستخف بكرامة الآخرين، أو أن نرفض الإهانة عندما تطالنا ونبررها عندما تستهدف أشخاصًا لا نتفق معهم.
إن المجتمع الذي يحترم نفسه لا يخشى النقد، بل يحتاج إليه، لكنه لا يخلط بين حرية الرأي وحرية إهانة الناس. واحترام المناسبات الدينية والشعبية لا يعني تحصينها من النقاش، كما أن نقدها لا يمنح أحدًا حق الانتقاص من زوارها. المطلوب أن نحتفظ بحقنا في السؤال والاعتراض، من دون أن نسلب الآخرين حقهم في الكرامة.
رسالتي واضحة: افحصوا الفيديوهات المتداولة، وتحققوا من الوقائع، واتخذوا الإجراءات القانونية إذا ثبتت المخالفة، وحاسبوا كل من تثبت مسؤوليته، أيًّا كان هدفه من النشر أو حجم شهرته. وفي المقابل، احموا حق النقد المشروع، حتى لا تتحول المطالبة بالاحترام إلى ذريعة لمنع الاختلاف.
مولد السيد البدوي ليس فوق النقد، لكن زواره ليسوا مباحين للإهانة. والأوقاف ليست فوق المساءلة، والأجهزة الأمنية ليست فوق التقييم، لكن المحاسبة العادلة تبدأ بالتحقق من الوقائع ولا تقوم على الاتهامات المرسلة.
أما الذين يتخذون من الوقاحة طريقًا إلى الشهرة، ومن كرامة الناس وسيلة لجمع المشاهدات، فعليهم أن يدركوا أن ما يحقق الانتشار ليس بالضرورة ما يستحق الاحترام، وأن الكاميرا لا تمنح صاحبها سلطة على الناس، وأن حرية التعبير لا تعفي أحدًا من مسؤولية أفعاله.
فالاختلاف لا يبرر الإهانة، والانتشار لا يصنع قيمة، وكرامة المواطنين ليست سلعة في سوق المشاهدات. ومن يحوّل الناس إلى مادة للسخرية عليه أن يدرك أن وراء كل مقطع مسؤولية، وأن احترام الإنسان يجب أن يسبق البحث عن الشهرة، لا أن يأتي بعد فوات الأوان.
















