لا يمكن تطوير الإعلام المصري بمجرد تحديث الاستوديوهات، أو شراء أحدث الكاميرات، أو إطلاق برامج جديدة تتصدرها وجوه تحظى بالانتشار الجماهيري، فالتطوير الحقيقي يبدأ من الإنسان الذي يصنع الرسالة الإعلامية، ومن المعايير التي تحكم اختياره وتأهيله وتقييم أدائه. فامتلاك أدوات البث الحديثة لا يضمن جودة المحتوى، كما أن الشهرة لا تعني بالضرورة الكفاءة، والقدرة على الحديث أمام الكاميرا لا تكفي وحدها لصناعة إعلامي يمتلك المعرفة والوعي والمهارة اللازمة لمخاطبة ملايين المواطنين.
إن الإعلام مهنة تقوم على مجموعة من المتطلبات المتكاملة، في مقدمتها سلامة اللغة، والثقافة العامة، ودقة المعلومات، وجودة الإعداد، والقدرة على إدارة الحوار وصياغة الأسئلة، إلى جانب الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام عقل الجمهور. وهذه المتطلبات ليست شروطًا شكلية، بل أدوات أساسية تساعد الإعلامي على أداء دوره، وتمنح الرسالة التي يقدمها المصداقية والقدرة على التأثير.
ومن الإنصاف التأكيد أن الإعلام المصري يضم كفاءات متميزة وخبرات تستحق التقدير، أسهمت في تقديم نماذج ناجحة في التقديم والتحرير والإعداد وإدارة الحوار. غير أن الحفاظ على هذه الخبرات وتطويرها لا يتعارضان مع ضرورة مراجعة الأداء المهني، بل إن المؤسسات القوية هي التي تمتلك القدرة على اكتشاف مواطن التميز، والتعامل مع أوجه القصور بموضوعية، وإتاحة فرص حقيقية للتعلم والتقدم أمام جميع العاملين.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطار واضح لتقييم الأداء الإعلامي، يستند إلى معايير معلنة وقابلة للتطبيق، تشمل سلامة اللغة، وجودة التحضير، والتحقق من المعلومات، والقدرة على إدارة الحوار، واحترام آدابه، والتمييز بين الخبر والرأي، والتعامل المسؤول مع القضايا التي تتطلب معرفة متخصصة. وينبغي أن تراعي هذه المعايير طبيعة كل برنامج، فمتطلبات تقديم نشرة إخبارية تختلف عن إدارة حوار سياسي أو تقديم برنامج ثقافي أو ترفيهي.
ولا ينبغي أن يتحول التقييم إلى وسيلة للإقصاء أو التشهير، وإنما إلى آلية للتطوير تتيح للإعلامي معرفة نقاط القوة والضعف في أدائه، والحصول على التدريب المناسب، والاستفادة من خبرات المتخصصين. أما المساءلة المهنية، فيجب أن تستند إلى قواعد واضحة وإجراءات عادلة، تميز بين الأخطاء التي يمكن معالجتها بالتدريب والتصحيح، والمخالفات التي تستوجب المساءلة وفق اللوائح والقوانين المنظمة.
لكن المسؤولية لا تقع على الإعلامي وحده، فالمؤسسة التي تختاره، وتمنحه فرصة الظهور، وتحدد طبيعة المحتوى الذي يقدمه، تتحمل جانبًا أساسيًا من مسؤولية جودة الرسالة. ويبدأ العمل المهني الجيد من البحث والإعداد والتحرير والتحقق من المعلومات، ثم ينتقل إلى الإنتاج والإخراج والتقديم. ولذلك فإن أي مشروع جاد للتطوير يجب أن يتناول منظومة العمل بأكملها، لا أن يكتفي بتقييم الوجوه التي تظهر على الشاشة.
ويتطلب الإصلاح كذلك مراجعة أساليب اختيار الكوادر، وتحديد الاحتياجات التدريبية، وتطوير آليات الإشراف التحريري، وتوفير بيئة تشجع على البحث والتعلم وتبادل الخبرات. ومن المهم أن تتبنى المؤسسات الإعلامية مؤشرات واضحة لقياس جودة الأداء، بحيث لا تقتصر على نسب المشاهدة وحجم الانتشار، وإنما تشمل دقة المعلومات، وعمق المعالجة، وجودة الحوار، ومدى استفادة الجمهور من المحتوى المقدم إليه.
فنجاح البرنامج لا يُقاس بعدد المشاهدات وحده، وإنما بما يضيفه إلى معرفة الجمهور وقدرته على فهم القضايا المطروحة. وقد تحقق الإثارة انتشارًا سريعًا، لكنها لا تكفي وحدها لبناء ثقة مستدامة، كما أن ارتفاع الصوت أو مقاطعة الضيوف لا يمثلان دليلًا على قوة الحجة. فالإعلام المؤثر هو الذي يجمع بين الجاذبية والمضمون، وبين القدرة على الوصول إلى الجمهور واحترام حقه في المعرفة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الإعلام في تشكيل الوعي العام، وتفسير الأحداث، وتقديم صورة مصر إلى العالم. فالمهنية لا تنفصل عن المسؤولية الوطنية، لكنها لا تتحقق بفرض خطاب واحد على جميع المؤسسات، وإنما بضمان الدقة والاتزان واحترام القواعد المهنية والقانونية، مع الحفاظ على التنوع في الرؤى والسياسات التحريرية.
وفي قلب هذه القضية يبرز ماسبيرو، بما يمتلكه من تاريخ طويل وخبرات متراكمة في الإذاعة والتليفزيون المصريين، أسهمت في إعداد أجيال من المذيعين والمحررين والمعدين والمخرجين. ولم تقتصر قيمة هذه المؤسسة على ما قدمته من برامج وأعمال، بل امتدت إلى تقاليد مهنية وخبرات عملية يمكن الاستفادة منها في بناء منظومة أكثر كفاءة للتأهيل والتدريب.
وأرى أن الوقت قد حان لدراسة دور أكثر فاعلية لماسبيرو في إعداد الكوادر الإعلامية، من خلال تحويل خبراته المتراكمة إلى برامج تدريب حديثة تستجيب لمتطلبات العمل الراهن. غير أن ذلك يتطلب تطوير المؤسسة نفسها، وتحديث أدواتها وأساليبها، والاستفادة من التقنيات الرقمية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وربط التدريب بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات الإعلامية.
وفي هذا الإطار، أقترح دراسة إنشاء منظومة وطنية متخصصة للتدريب والتأهيل الإعلامي، يكون لماسبيرو دور رئيسي فيها، بالتعاون مع الجامعات وكليات الإعلام والمؤسسات المهنية والجهات المختصة. ويمكن أن تقدم هذه المنظومة برامج متخصصة في اللغة العربية، والتحرير والإعداد، والتحقق من المعلومات، وإدارة الحوار، والإعلام الرقمي، وأخلاقيات المهنة، والتعامل مع الأزمات، على أن تشمل المذيعين والمحررين والمعدين والمنتجين والمخرجين، بدلًا من الاقتصار على فئة واحدة.
كما يمكن بحث وضع آليات للاعتماد المهني والشهادات التدريبية، في ضوء دراسة قانونية ومهنية تحدد طبيعتها والجهات المختصة بها، بما يضمن جودة التأهيل ويحترم استقلالية المؤسسات الإعلامية وحقها في اختيار العاملين بها. والمقصود هنا ليس منح ماسبيرو سلطة إلزامية على القنوات الفضائية، وإنما توظيف خبراته في بناء مسار تدريبي موثوق يمكن للمؤسسات الاستفادة منه وفق الأطر القانونية المنظمة.
ولضمان فاعلية هذه المنظومة، ينبغي ألا يقتصر التدريب على حضور الدورات أو الحصول على الشهادات، بل يجب أن يرتبط بتقييم الأداء الفعلي وقياس مدى تحسنه. ويمكن تحقيق ذلك من خلال متابعة جودة الإعداد، ودقة المعلومات، والقدرة على إدارة الحوار، ومراجعة البرامج التدريبية دوريًا للتأكد من ملاءمتها للتطورات المهنية والتكنولوجية.
وهنا أتوجه إلى الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بمقترح إعداد رؤية متكاملة لتطوير الأداء المهني في المؤسسات الإعلامية المصرية، بالتعاون مع الجهات المعنية، بحيث تنتقل القضية من مرحلة تشخيص التحديات إلى بناء مشروع عملي تتحدد فيه الأولويات وآليات التنفيذ والمسؤوليات.
وأقترح أن يتضمن هذا المشروع دراسة لواقع التأهيل الإعلامي واحتياجات سوق العمل، وتصورًا للاستفادة من خبرات ماسبيرو، وإطارًا استرشاديًا لمعايير الجودة المهنية، وخطة للتدريب المستمر، ومؤشرات لقياس النتائج، وآليات للتنسيق بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية والجهات المختصة. كما ينبغي أن يحدد المشروع مراحل زمنية للتنفيذ، والموارد اللازمة لتحقيق أهدافه، ووسائل متابعة التقدم وتقييم النتائج وتصحيح المسار.
ومن المهم أن تتم هذه الخطوات في إطار يحترم الاختصاصات الدستورية والقانونية لكل جهة، ويعزز التعاون المؤسسي من دون تداخل في المسؤوليات. فنجاح أي مشروع للإصلاح يتوقف على وضوح الأدوار، وتوافر الأدوات اللازمة للتنفيذ، والقدرة على تحويل التوصيات إلى نتائج ملموسة.
وأرى كذلك أهمية عرض هذا التصور على فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد استكمال دراسته والتنسيق بشأنه مع الجهات المختصة، للنظر في ما يحتاج إليه من دعم على المستوى الوطني. فالقضية تستحق طرحًا جادًا يقوم على المعلومات والدراسات والمقترحات العملية، لا على الاكتفاء بتوصيف المشكلات أو إطلاق دعوات عامة للتطوير.
إن مسؤولية وزير الدولة للإعلام، في حدود اختصاصاته، يمكن أن تتجلى في دعم الحوار بين المؤسسات، وجمع الخبرات المهنية والأكاديمية، والمساعدة على صياغة رؤية مشتركة تستهدف رفع كفاءة الأداء وتحسين جودة المحتوى. والمطلوب هو مشروع يشارك في بنائه أصحاب الخبرة والاختصاص، ويستفيد من التجارب الناجحة، ويضع احتياجات الجمهور في مقدمة أهدافه.
كما ينبغي أن يراعي المشروع العلاقة بين التطوير المهني وحرية الإعلام. فوجود معايير للجودة لا يعني فرض توجه تحريري موحد، كما أن استقلال المؤسسات في اختيار سياساتها التحريرية لا يعفيها من مسؤولية الدقة واحترام أخلاقيات المهنة. ويمكن الجمع بين الأمرين من خلال إطار مهني واضح يضمن الحد الأدنى من الكفاءة والمسؤولية، ويحافظ في الوقت نفسه على التنوع وحق المؤسسات في المنافسة والإبداع.
إن الجمهور المصري يستحق إعلامًا يقدم معلومات دقيقة، ويناقش القضايا بجدية، ويتيح مساحة للحوار المسؤول، ويستند إلى المعرفة لا إلى الانطباعات وحدها. وتحقيق ذلك يتطلب الاستثمار في العنصر البشري، وتطوير المؤسسات، وإعادة النظر في أساليب التدريب والتقييم، وتعزيز ثقافة مهنية تجعل التعلم المستمر جزءًا أصيلًا من طبيعة العمل الإعلامي.
وماسبيرو يمتلك رصيدًا من الخبرة يؤهله للمشاركة في هذا المشروع، لكنه يحتاج إلى تجديد أدواته وتحويل خبراته إلى برامج تدريب قادرة على إعداد كوادر تنافس في بيئة إعلامية تتغير باستمرار. كما تحتاج المؤسسات الإعلامية الأخرى إلى الاستفادة من التدريب المتخصص، وتطوير فرق العمل، ووضع جودة المحتوى في صدارة أولوياتها.
إن تطوير الإعلام المصري لا يحتاج إلى معركة مع المذيعين والمذيعات، ولا إلى أحكام عامة على المؤسسات، بل إلى مشروع إصلاحي يعالج أوجه القصور، ويعزز نقاط القوة، ويحفظ كرامة العاملين، ويضمن أن تكون الكفاءة أساس الاختيار والتقدم المهني. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على إقصاء الأشخاص، وإنما على بناء نظام يساعدهم على التطور، ويمنح الجمهور حقه في إعلام مسؤول وموثوق.
ومن هنا، فإن المطلوب من وزير الدولة للإعلام دعم مسار مؤسسي واضح لتطوير التأهيل المهني، والاستفادة من خبرات ماسبيرو، والتنسيق مع الجهات المختصة لوضع آليات قابلة للتنفيذ والتقييم. فالإعلام لا يتطور بتغيير الوجوه أو تحديث الأجهزة وحدهما، وإنما بتطوير الإنسان الذي يصنع الرسالة، والمؤسسة التي تحتضنه، والمعايير التي تضبط أداءه.
ماسبيرو نقطة البداية، والمعايير المهنية أساس الإصلاح، والاستثمار في الكوادر هو الطريق إلى إعلام مصري أكثر كفاءة ومصداقية وقدرة على المنافسة، يحترم عقل المواطن، ويصون قيمة الكلمة، ويعكس صورة مصر بمهنية ومسؤولية.




















