الصحافة التي أطلقوا عليها قديمًا لقب “صاحبة الجلالة” لم تكن مجرد مهنة يقتات منها أصحابها، بل كانت سلطة حقيقية، وركنًا رابعًا في معادلة الحكم، تقف جنبًا إلى جنب مع السلطات الثلاث.
كان الصحفي يحيا بالكلمة ويموت من أجلها، وكانت أقلام مثل هيكل وأحمد بهاء الدين وحسنين هيكل أشبه ببوصلات سياسية وفكرية تهدي الناس في زمن كانت الكلمة فيه أغلى من الذهب. يومها كانت المقالة تُحرّك رأيًا عامًا، والتحقيق الصحفي قد يسقط مسؤولًا أو يغيّر مسار حكومة.
لكن اليوم.. تغيّر المشهد إلى درجة تدعو للأسى، عرش صاحبة الجلالة لم يعد كما كان، والبريق خفت حتى صار المجال مفتوحًا لمن يشاء. فتاة عابرة تمسك هاتفًا وتبث بثًا مباشرًا وهي تتناول كيسًا من “الشبسي”، فتتصدر المشاهدات وتتصدر معها المشهد الإعلامي، بينما الصحفي المحترف الذي قضى عمره في المطبعة وغرف الأخبار يبحث عن جمهور فلا يجد. المفارقة مؤلمة، لكنها في الحقيقة انعكاس لأزمة أعمق من مجرد “لايف سخيف”.
المشكلة أن ميزان الوعي نفسه اختل. الجمهور الذي كان يقرأ مقال هيكل على مهل ويتأمل كلماته، صار اليوم يبحث عن تسلية سريعة، يستهلك المحتوى كما يستهلك الوجبات الجاهزة: بسرعة، وبدون أثر يبقى. الصحافة الرصينة تجد نفسها في منافسة غير عادلة مع “التريند”، والمقال العميق يُستقبل بفتور بينما يُتابع العبث بشغف وضحكات.
لا يمكن أن نُعفي الصحافة من المسؤولية؛ فقد قصّرت حين تركت فراغًا ملأه الهواة، وتنازلت عن دورها التنويري لصالح أخبار سطحية أو مواد ترفيهية لا تضيف شيئًا. وفي المقابل، لا يمكن أن نغفل أن الجمهور نفسه ساهم في تكريس هذا الانحدار، باختياره الطريق الأسهل، وبتفضيله “الصوت العالي” على الحقيقة، و”المشهد المضحك” على المعلومة الجادة.
ومع ذلك، ورغم كل ما جرى، فإن صاحبة الجلالة لم تمت. قد تراجعت، وقد ضعفت، لكنها ستعود، لأن أمة بلا صحافة حرة وواعية تفقد عقلها الجمعي وتصبح مجرد جمهور متفرج. سيبقى الفرق دائمًا بين هيكل وفتاة الشبسي هو نفسه الفرق بين الكتاب واللايف، بين من يبني وعيًا ومن يبيع تسلية عابرة.
والسؤال الذي يظل مفتوحًا أمامنا جميعًا: هل نريد صحافة تُعيد للوعي اعتباره، أم نرضى بأن يكتب التاريخ في مكان آخر بينما نحن مشغولون بمتابعة آخر “كيس شبسي” على الهواء؟




















