قل الصحافة في الماضي نشأت شعبية منذ أكثر من قرن ونصف وعملت على تقوية الحس الوطني للمصريين والدفاع عن الدولة المصرية ونشر الوعي بين الجماهير وتشكيل الرأي العام وخلق المعارضة.
و ظهرت الصحافة المصرية في أول الأمر في كنف الحكام وعملوا على دعمها مادياً ومعنوياً باعتبارها أداة تربط بين الحاكم والشعب وتعمل على اجتذاب أكبر عدد من القراء على كافة المستويات وتعتمد في دورها على توسيع دائرة جمهورها وتنوعه وهدفها كسب الرأي العام وفي ذات الوقت مساعدة الحكومة على نقل ما تريد توصيله للشعب.
أما صحافة الحاضر فقد خدعت إذ تدهورت بين من يملكون القرار والمال ولا يعرفون قيمتها وبين أصحاب المهنة الذين يعرفون ولا يملكون.
فلم تعد الوسيلة التي تعمل على تدعيم المجتمع في كل المجالات من خلال الرسائل المتبادلة بين الشعب والحكومة ولا هي القوة الفاعلة التي تخاطب شعور القارىء وعقله وتفكيره فتتفاعل معه لتتطور الأمة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا إذ لم يعد لها دور رئيسي في إظهار الخلل أمام المسؤول وتوصيل مشاكل الجماهير وغاب دورها في الدعوة للإصلاح أو الموجه والناصح وانتهت كمرآة للمجتمع.
وما دعاني للكتابة في هذا الموضوع ما تعيشه مهنة الصحافة من كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتشريعية والوضع المالي المتردي للصحفيين.
وليس هناك شك في أن مهنة الصحافة تمر بأزمة اقتصادية وسياسية ومهنية شعر بها أصحاب المهنة والشعب معا نتيجة لغياب الحرية للعمل الصحفي وتراجع التوزيع والإعلانات ومن هنا تراجع دور الصحفيين وغاب المحتوى الصحفي الموضوعي الذي يفيد المجتمع.
و قد حدثت تغيرات خلال السنوات العشر الماضية لمهنة الصحافة لم يحدث مثلها منذ نشأتها في عصر الخديوي إسماعيل إذ تجاذبتها التغيرات والأحداث الكثير منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والثقافية وهذه الأحداث زحفت على المهنة بلا رحمة وسيطرت عليها في محاولات لهدم مقوماتها وتغيير أوضاعها إلى الأسوأ في كافة النواحي.
وتمثلت التغييرات التشريعية التي حدت من تطور المهنة في إلغاء وتغيير الجهة المشرفة (المجلس الأعلى للصحافة)وتقسيم أصحاب المهنة إلى فريقين فريق المؤسسات القومية الذي يتبع ما يسمى بالهيئة الوطنية للصحافة وآخر من الصحف الخاصة والحزبية ويتبع ما يسمى بالمجلس الأعلى للإعلام ولا نعرف أو نعلم ماذا يعمل هذا المجلس لفريق الصحف الخاصة والحزبية غير أنه يحول إليه بدل التكنولوجيا الوارد من وزارة المالية ليقوم بدوره بتحويل هذا البدل إلى نقابة الصحفيين ليصرف لهم.
أما التغيير في الجانب الثقافي للمهنة فإنها لم تعد من أهم مظاهر التعبير عما يدور في النفوس من آمال وأهداف فلم تستطع أن تطرح فكرة أو تصورا لمشكلة خاصه بالشعب ولم تعد المعبر الحقيقي عنه.
وتمثل التغيير في الجانب الاجتماعي، في أنه لم تعد الصحافة قادرة على تعميق القيم والمفاهيم في آذان الجماهير ولا توصيل نبض ورسائل الشعب إلى الحاكم ولما يريد فعله ومعرفة الخلل والقصور في الأداء الحكومي ومدى رضا الشعب عنهم.
أما الجانب السياسي فتمثل في غياب الحرية وتقييد المهنة فلا يستطيع الصحفي أن يدخل وزارة أو مصلحة حكومية وهو مندوب من قبل صحيفته إلا بأمر القائم على الأمن أو المستشار الإعلامي علاوة على ذلك ما يقوم به رئيس التحرير لكل من يحاول انتقاد الأداء الحكومي، وفرض قيود على التغطية الصحفية.
وتغير الواقع الاقتصادي بسبب غياب المضمون الصحفي الذي يهم الناس فتراجع التوزيع إلى أرقام مخيفة وهرب المعلن وبالتالي تشعر أن الحكومة تعمل الآن على تصفية الصحافة من خلال الموت البطيء وهنا يتساءل أصحاب المهنة لماذا تفعل الدولة ذلك بأول مهنة في تاريخ الإنسانية؟!
أما الصحافة التي نشأت في الماضي في عصر الخديوي إسماعيل فكانت شعبية إذ صدرت لتكون حلقة الوصل بين الشعب والحكومة.
ويعد إسماعيل أبو الصحافة الشعبية إذ كان لديه طموح بالاستقلال بمصر وتنفيذ مشروعات محمد علي والاستفادة من البعثات التي أرسلها وأنتجت جيلا من المثقفين اضطلعوا بدور هائل في ميادين النهضة و أسهموا في إحياء الثقافة وأراد تقليد الأوروبيين في نظام الحكم فاهتم بها كإحدى الوسائل لتحقيق سياسته وتنفيذ أهدافه بالمساعدة في إصدار الصحف المصرية لإدراكه أهمية الصحافة في تقدم الأمم.
تشبه إسماعيل بالنظام الأوروبي فأنشأ مجلس شورى النواب عام 1866 ووجد أن الصحافة الرسمية لا يجوز لها أن تكون معبرا عن هذا المجلس ومن فأوصى بإصدار صحيفة (وادي النيل) في نفس العام واستطاع نقل الصحافة من رسميتها إلى اللون الشعبي ومنحها حيزاً كبيراً من الحرية فكانت تدافع عن الوطن بإخلاص ثم ساعد على إنشاء مجلة نزهة الأفكار وجريدة روضة الأخبار التي تخصصت في جميع المجالات.
ووفدت على مصر مجموعة المهاجرين الشوام بسبب التضييق على حرية الصحافة في سوريا فهاجروا إلى مصر باعتبارها المركز الحضاري التنويري في المنطقة العربية فأنشاؤا الصحف والمجلات وشجعهم على الإقامة للإسهام في نهضتها فكانت الهجرة من أهم جوانبها الصحافة والنشاط المسرحي.
ومن هنا نجد أن الصحف الشعبية التي صدرت في عهد إسماعيل كان لها عنصران أولهما الصحف الشعبية التي تولتها أقلام وعقول مصرية وثانيهما الصحف الشعبية التي تولتها أقلام وعقول شامية وكان من ضمن هذه الصحف جريدة الأهرام التي تأسست عام 1876.
وسرت روح الإصلاح في الصحفيين وإعداد البلاد لاستقبال النهضة الحديثة وذلك عن طريق نشر الوعي والتهذيب الخلقي ومحاربة العادات السيئة والأوهام التي تمنعها من فهم العصر الجديد فأيقظوا المشاعر ونبهوا العقول وكشفوا حجاب الغفلة في أطراف متعددة في الأمة المصرية.
وقد تجاوزت الصحافة المصرية الحدود خلال الحرب التركية الروسية واستعان إسماعيل بالصحفيين ليتخذوا من الصحافة مهنة لهم وأقبل الناس على الاطلاع على الصحف لمعرفة ما يدور في الحرب التركية المسلمة مع اعدائها وتطلعوا إلى ما يرد من أخبار الحرب وكان ورود الصحف الأوروبية للأجانب في مصر ومخالطة هؤلاء الشعب المصري تمهيدا للعلم بما يحدث. وكثرت الصحف وتعددت المقالات والأخبار وحدث نوع من الجدال بين الناس لم يكن معروفا من قبل.
وتعد هذه المحاولات الصحفية في هذا الوقت أول حدث في تاريخ الصحافة الشعبية المصرية.
لفتت الصحف المصرية بقوتها وما تتناوله من موضوعات انتباه الدول الأجنبية إليها وأخذت تنشر الأخبار والآراء والحوادث وما يدور في القطر المصري بكل أتباعه وتنشر أحوال الأمم الأخرى والتفاصيل الغربية وتشرح سيرتها السياسية والاجتماعية وتقارنها بما عليه مصر من سوء الأحوال.
ولم تحاول الجهات المصرية في مصر إذ ذاك عرقلة النهضة الصحفية فغضت الطرف عما ينشر من الآراء والأخبار وشجعت الحكومة الصحف على التحدث في أمور سياسية ما كان يسمح لها بالخوض فيها من قبل فتقول الأهرام “لقد شكونا من الاستبداد الموصل للدمار فتهيأ الآن لنا أن نقصيه بعيدا”.
وفي مقال آخر نشر بالأهرام يتميز بالحدة” قل لنا متى النهاية؟ تحملنا ما لا يطاق صبرنا على البلوى”.
لقد هلل الشعب وخاصة المثقفين لهذه الحرية التي نالتها صحف وكشفت عن مواطن الصعف وبعد انتهاء الحرب التركية الروسية وعندما قررت فرنسا وإنجلترا استبعاد عرض المسألة المصرية على مؤتمر برلين عام 1878 فعرف مطامع الدول في السيطرة على مصر وعندئذ غضت الحكومة الطرف عما أخذت تنشره الصحف من آراء في الحرية والاستقلال وشهدت البلاد فترة من أفضل فترات التمتع بالحرية.
وقد صدرت في عهد إسماعيل نحو 23 صحيفة ومجلة إحداها رسمية الوقائع المصرية وساعدت الحكومة الذين يصدرون الصحف في صور متعددة كالدعم والاشتراك وحث الشعب على شراء الصحف.
وأخذت الصحافة المصربة تفرض وجودها وقد بدأت لينة ثم تطورت مع أحداث الزمن إلى أن تدخلت في كل المجالات وانتقدت السياسة العامة غير الجيدة وعملت على تشكيل الرأي العام.
وكانت الدواوين الحكومية أيام الخديوي إسماعيل تشترك لكل العاملين فيها للحصول على الصحف أولا لتوصيل ما يريد في المجتمع وتثقيفهم كما ألزمت العمد والمشايخ بشراء الصحف وثانيا لمساعدة الصحف في تحقيق دخل لها وهنا تعود الناس على قراءه الصحف.
ولقد تصدت الصحافة للخديوي إسماعيل عندما حاول تعطيل مجلس شورى النواب في العام 1879 وأيقظت الحركة الوطنية في عامة الشعب وساندت شريف باشا فاجتمع العلماء والأعيان والتجار واصدروا بيانا يطلبون فيه من الخديوي منح مجلس شورى النواب الحرية التامة في التشريع ومراقبة الأمور المالية وتعديل طريقة الانتخابات وإقرار مبدأ مسؤولية الوزارة أمام المجلس وهذا بفضل الصحافة وهكذا بدأت ثورة الأفكار والتطلع إلى الحرية والنظم الدستورية.
وقد تأصلت في نفوس الطبقة المثقفة من الأمة وكانت في غاية اقتباس الأفكار السياسية الغربية والنظم الدستورية وما تتطلبه الحياة السياسية الحديثة وقد ازداد عدد المتشبعين بهذه الآراء لاقتباسهم من الصحف والمجلات التي أخذت تزداد انتشاراً.
وفي هذه الفترة ظهرت حركة المعارضة وصحافة المعارضة في البلاد وبدأ الرأي العام يقوى ويقبل على شراء الصحف وقد أشعرت الصحافة الناس بقوتهم وحاجة الحاكم إليهم وتنبيه الرأي العام إلى أنه يستطيع أن يقف في وجه الظلم ويطالب بالحقوق وأنه من حقه مراقبة الحكومة وانتقادها وهذا الشعور إن وجد في أمة فإنه يعمل على صياغة أهدافها و برامجها.
وقد استطاعت الصحف مواصلة إثارة الشعور الوطني الذي اتخذ موقفا معاديا للأوروبيين وكان انتصارا لوجهة النظر الوطنية وانتصارا للصحافة.
وبعد أن عرضنا ما حدث لمهنة الصحافة في الوقت الحاضر وما طرأ عليها من تغيرات أدت إلى تدهورها ووصولها إلى حالة الموات فأردت ان اقارنهأ ببدايتها منذ أكثر من قرن ونصف وهذه مقارنة ظالمة تختلف اختلافا كليا لبداية الصحافة التي كان معظم الشعب المصري لا يجيد القراءة ولم تكن لها نقابة تدافع عنها ولا مجلس أعلى للإعلام يرأسها ولا هيئة وطنية تهيمن عليها.
ورغم تعدد الجهات المشرفة والتي ترأس مهنة الصحافة وظهور تشريع قسم الصحافة إلى فريقين فريق الصحف القومية تشرف عليه الهيئة الوطنية للصحافة وفريق الصحف الخاصة والحزبية ويشرف عليه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ورغم وجودهما غاب هامش الحرية الذي كان متاحا للصحافة على يدهما وتراجع مستواها لأول مرة في تاريخها منذ نشأتها وتدهور حال الصحفي فوصل دخله إلى ذيل الدخول بين الفئات العاملة في المجتمع ووصل به الحال إلى انتظار البدل بفارغ الصبر رغم أنه [لا يسمن ولا يغني من جوع] وظهر هذا بوضوح خلال بدل شهر يوليو من العام الحالي عندما تأخر تحويله من وزاره المالية إلى المجلس الأعلى للإعلام وصرف البدل للصحفيين بالمؤسسات القومية تأخر صرفه للصحف الخاصة والحزبية وكأن وزارة المالية عاجزة عن تحويل قيمة البدل البالغة نحو 24 مليون جنيه للصحفيين الذين يصرفون من النقابة.
وغاب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن مسؤوليته وكأنه لا يوجد لديه رصيد مالي للصرف لحين وروده من الوزارة وعجزت النقابة عن إيجاد بدائل لحل أزمة صرف البدل ولم تستطع التصرف أو التحرك للاتصال و التفاوض للحصول علي البدل و تركت الصحفيين يضربون أخماسا في أسداس لأن منهم المقترض أو مشترك في جمعية أو التزامات معيشية محسوبة على هذا البدل. وسكتت الحكومة والتزمت الصمت وجعلت أصابعها في أذانها و استغشت ثيابها عما يحدث للصحفيين واحتياجهم للبدل وهي تعلم أنه يمثل الجزء الأكبر من دخل معظم الصحفيين. وينطبق المثل العربي الأصيل على الواقع الذي تعيشه مهنة الصحافة والعاملون فيها وتعدد الجهات المسؤولة عنها والذي يقول[بين حانا ومانا ضيعنا لحانا] فهو مثل شعبي رائع يمثل ما تعانيه مهنة الصحافة وتدهورها بين المجلس الأعلى للإعلام الذي لا يفعل شيئا لها ولا نرى له دورا والهيئة الوطنية للصحافة التي عينها على أصول المؤسسات الصحفية التي تكونت على مدار أكثر من 60 عاما ولم يتحدثوا عن الواقع الذي وصلت اليه مهنه الصحافة رغم أنهما الأقرب إلى صناع القرار كونهما حلا محل المجلس الأعلى للصحافة الذي كانت تتفاوض معه نقابة الصحفيين للحصول على ما تريد من الدولة.
ووقفت الجهتان عاجزتين عن تقديم أي حلول أو مساعدات لإنقاذ المهنة والمطالبة بإتاحة مساحة من الحرية وتحسين مستوى دخل الصحفي مثلما كان يفعل المجلس الأعلى للصحافة منذ سبعينيات القرن الماضي.
ونرى أن الحكومة والهيئات والمسؤولين عن الصحافة يعالجون العرض لا المرض فالأزمات تحيط بالمهنة والعاملين فيها والأمراض المالية تفتك بها فالمسكنات والحلول الجزئية لم تعد تجدي بحجة زيادة البدل مع كل انتخابات لا تفلح ولا يمكن أن تعالج الاعتلالات التي تعاني منها الصحافة بالنظر إلى دخول العاملين فيها وفق المخصص في الموازنة أو إيجاد حلول وبدائل لزيادة دخول الصحفيين وعندما نعالج المرض الذي تسلل إليها بفعل فاعل وذلك بتحسين الأوضاع المالية وإتاحة مساحة الحرية المسؤولة و المنضبطة لكي تمارس الصحافة دورها وتستعيد ثقة الشعب فيها.
وبعد أن القينا نظرة سريعة على نشأة الصحافة أيام الخديوي إسماعيل وقارناها بصحافة اليوم رغم أن المقارنة ظالمة لاختلاف الجمهور ومستوى التعليم والثقافة والتطور الحضاري نخلص إلى أن صحافة إسماعيل أفضل من صحافة اليوم.
محمد خراجه




















