العالم لم يعد يتحرك بعشوائية، كما يُروَّج، بل وفق خرائط مصالح تُرسم بعيدًا عن عيون الشعوب. كثير من الحروب لا تُترك مشتعلة صدفة، بل لأن استمرارها يخدم مشاريع أكبر من حدود الدول نفسها.
في الصومال، لا يقتصر المشهد على صراع داخلي أو دولة فاشلة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى محاولات تفكيك مقصود. الحديث عن الانفصال، وتقسيم النفوذ، ليس بريئًا ولا منفصلًا عن حسابات إقليمية ودولية أوسع. موقع الصومال، وممراته البحرية الحيوية، يجعلان من تفتيته فرصة للسيطرة لا عبئًا.
والأخطر، أن هذا التفكيك يفتح الباب أمام سيناريوهات ديموغرافية مشبوهة، تُطرح همسًا أحيانًا، وتتعلق بإعادة توطين أو تهجير قسري لشعوب أخرى، وعلى رأسها الفلسطينيون، في إطار صفقات تُدار بعيدًا عن القانون والإنسانية، وكأن الأرض فراغ قابل لإعادة التوزيع.
وفي اليمن، تتكرر القصة بلغة مختلفة. حرب طويلة، لأن السلام لا يخدم من يريد السيطرة على الموانئ والممرات البحرية. باب المندب ليس مجرد اسم جغرافي، بل مفتاح ضغط عالمي، ومن يملكه يفاوض العالم كله.
أما غزة، فهي الجرح الذي يُراد له ألا يلتئم. حصار وعدوان وصمت دولي، لأن بقاء القضية معلقة يخدم حسابات كثيرة، ويُبقي ملف التهجير حاضرًا على الطاولة، ولو مؤجلًا.
وفي لبنان، يُدار الانهيار بحساب. لا سقوط كامل ولا نهوض حقيقي. بلد معلق لأن استقراره لا يخدم توازنات إقليمية دقيقة، ولأن الشلل أحيانًا أداة سياسية.
أما ليبيا، فهي نموذج صريح لحرب المصالح. نفط، موقع، وسواحل، جعلت من البلد ساحة صراع مفتوحة، لا دولة ذات سيادة.
وفي أوكرانيا، الدم يتحول إلى ورقة تفاوض، والحرب تُدار بميزان الطاقة والنفوذ، لا بعدالة القضية.
نصل إلى فنزويلا، حيث بلغ العبث ذروته. لم يعد الأمر عقوبات أو ضغوطًا، بل وصل إلى خطف رئيس دولة ذات سيادة، في انتهاك فجّ لكل المواثيق الدولية. هنا تسقط الأقنعة، ويظهر نظام عالمي جديد، تُدار فيه السياسة بمنطق العصابات لا القانون.
وفي قلب كل ذلك، تبرز أطماع دونالد ترامب ومنطق “الصفقة”. العالم يُختزل في ممرات، وموانئ، ونفط، وأراضٍ قابلة لإعادة التوزيع. لا ثوابت، ولا سيادة، فقط مصالح آنية تُفرض بالقوة.
الخيط المشترك واضح:
الحروب لم تعد فشلًا سياسيًا، بل أداة إدارة.
والفوضى لم تعد عرضًا جانبيًا، بل خطة.
العالم إلى أين؟
إلى عالم تُقسَّم فيه الدول، وتُعاد فيه هندسة الشعوب.
إلى زمن تصبح فيه الجغرافيا سلعة، والإنسان تفصيلًا.
سؤال بسيط، لكن تجاهله جريمة. لأن العالم حين يعتاد تفكيك الدول اليوم، لن يتردد غدًا في تفكيك ما تبقى من الضمير الإنساني.
نرشح لك.. مصر والأردن يرفضان التدخل في الصومال ويشددان على تنفيذ خطة ترامب في غزة






















