في ظل أجواء الحروب والتوترات التي تحيط بمصر من أكثر من اتجاه؛ من التصعيد الإيراني–الأمريكي، وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر، والصراع الدائر في السودان، والتوترات في ليبيا، والحرب على غزة، وصولًا إلى المخاطر المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، قد يطرح المواطن المصري سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه في حسابات الدول شديد التعقيد: متى تدخل مصر حربًا عسكرية؟
كنتُ في نقاش مع أحد أساتذتي، أثناء دراستي لدبلوم الدراسات الاستراتيجية في الأمن القومي بكلية الدفاع الوطني بالأكاديمية العسكرية، حول هذا الموضوع تحديدًا. وأكد لي أن متخذ القرار المصري يفرّق جيدًا بين ثلاثة مفاهيم أساسية، إذا فهمنا الفارق بينها أصبحنا أقرب إلى إدراك منطق التفكير الاستراتيجي للدولة: التحدي، والخطر، والتهديد.
لا تدخل الدول حربًا لأن لديها مشكلة، ولا تنجر إلى صراع عسكري لمجرد أن الرأي العام غاضب. فقرار الحرب في الأساس هو حساب دقيق للمصلحة والقدرة والتكلفة والمخاطر والبدائل المتاحة.
ومن هنا يبدأ الفرق بين المفاهيم الثلاثة. فالتحدي هو مشكلة تضغط على الدولة، نعم، لكنها لا تزال قادرة على التعامل معها من خلال سياساتها ومواردها وأدواتها المختلفة، دون أن تضطر إلى استخدام القوة العسكرية.
وإذا أخذنا مشكلة سد النهضة الإثيوبي على سبيل المثال، فلو حدث نقص في المياه، وكانت مصر قادرة على تعويض جزء منه من خلال تحلية المياه، وإعادة استخدامها، وتطوير نظم الري، وتغيير بعض المحاصيل، فنحن هنا أمام تحدٍ يمكن التعامل معه.
وطالما ظلت تكلفة التكيف مع هذا التحدي أقل من تكلفة الحرب، فإن التكيف يظل الخيار الأكثر عقلانية من منظور الحسابات الاستراتيجية.
لكن إذا اجتمع، مثلًا، جفاف ممتد مع ظروف تشغيل تؤدي إلى انخفاض خطير في كميات المياه المتاحة، فنحن هنا ننتقل من التحدي إلى الخطر.
والخطر لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الحرب، لكنه يفرض مستوى أعلى من الاستعداد: وضع السيناريوهات، وبناء الاحتياطيات، وتكثيف التحرك الدبلوماسي والاقتصادي، إلى جانب امتلاك قوة ردع تمنع الخطر من التطور والتحول إلى تهديد.
أما التهديد فيظهر عندما تجتمع مؤشرات القدرة والنية مع احتمال وقوع ضرر جسيم ومباشر على حياة المواطنين أو استقرار الدولة وأمنها، وتصبح الأدوات والبدائل الأقل تكلفة غير قادرة على منع هذا الضرر، وهنا تبدأ الحسابات في التغير.
وهذا المنطق لا يتعلق بالمياه وحدها، بل ينطبق على الحدود، والطاقة، والممرات البحرية، والإرهاب، وغيرها من الملفات التي تمس الأمن القومي.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي ليس: متى تغضب مصر وتقرر الحرب؟ بل السؤال الأكثر دقة هو: متى تصبح تكلفة عدم التحرك أكبر من تكلفة التحرك؟
لأن الحرب ليست مجرد صاروخ يُطلق أو طلعة جوية تُنفذ، وإنما قرار تترتب عليه خسائر بشرية وتداعيات اقتصادية، وقد يمتد تأثيره إلى التجارة والاستثمار، فضلًا عن احتمالات التصعيد ودخول أطراف أخرى في الصراع، وصولًا إلى نتائج لا يمكن لأي دولة أن تضمن مسارها أو نهايتها بشكل كامل.
وقد لخّص المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز هذه الفكرة في مقولته الشهيرة إن الحرب هي «استمرار للسياسة بوسائل أخرى». فالقوة العسكرية، في الفكر الاستراتيجي، ليست غاية في ذاتها ولا استجابة عاطفية للغضب، وإنما أداة تستخدمها الدولة لتحقيق هدف سياسي عندما تعجز الأدوات الأخرى عن تحقيقه.
وبصيغة أكثر بساطة: التحدي يُدار، والخطر يُستعد له ويُحتوى، والتهديد يُردع. أما عندما يتحول الأمر إلى تهديد وجودي، وتصبح البدائل المتاحة غير قادرة على منعه أو احتوائه، فإن استخدام القوة العسكرية يصبح أحد الخيارات الجدية المطروحة أمام الدولة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في حسابات الأمن القومي ليس فقط: هل تستطيع الدولة أن تحارب؟ وإنما: هل أصبح عدم التحرك أكثر كلفة وخطورة من التحرك نفسه؟
وعندما تصل الحسابات الاستراتيجية إلى هذه النقطة، يصبح احتمال استخدام القوة العسكرية أكثر جدية؛ لأن ثمن عدم التحرك قد يكون قد تجاوز ثمن التحرك.





















