لم تعد اتفاقات أبراهام، التي بدأت عام 2020، مجرد إطار لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بل أصبحت مدخلًا لفهم التحولات الجارية في بنية الأمن الإقليمي. فالقضية لم تعد تتعلق بفتح السفارات وتوسيع التبادل التجاري وحدهما، وإنما بمدى قدرة هذه العلاقات على التحول إلى شراكات تكنولوجية ودفاعية تؤثر في موازين القوة ومواقع النفوذ في الشرق الأوسط.
وبعد ست سنوات، يبرز سؤال أكثر أهمية من حصيلة التطبيع الدبلوماسي، وهو ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نظام أمني جديد تتشابك فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، أم أن هذه الشراكات ستظل محكومة بحسابات كل دولة ومخاوفها ومصالحها الوطنية.
الإمارات وإسرائيل.. من المصالح الاقتصادية إلى التعاون الدفاعي
تمثل العلاقات الإماراتية الإسرائيلية نموذجًا مهمًا لهذا التحول، خصوصًا في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني وأنظمة الاستشعار ومواجهة الطائرات المسيّرة. وتكمن أهمية هذه المجالات في أنها أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلات الحرب الحديثة، حيث لم تعد القوة العسكرية تُقاس بحجم الترسانة وحده، بل بقدرة الدولة على اكتشاف التهديدات وتحليل المعلومات وربط أنظمة الرصد والاعتراض في منظومة متكاملة.
وتسعى الإمارات من خلال تنويع شراكاتها التكنولوجية والدفاعية إلى تعزيز قدراتها الأمنية وتطوير صناعاتها الوطنية، بينما تستفيد إسرائيل من توسيع أسواق صناعاتها المتقدمة وترسيخ حضورها في منطقة الخليج.
غير أن الدلالة الاستراتيجية الأعمق تكمن في طبيعة العلاقة بين المنتج والمستخدم. فالحصول على منظومة دفاعية متطورة قد يترتب عليه تعاون طويل الأمد في مجالات الصيانة والتحديث والتدريب وتبادل الخبرات. ومع اتساع هذه الروابط، تصبح التكنولوجيا وسيلة لبناء النفوذ، لا مجرد سلعة تباع وتشترى.
ومع ذلك، يجب التمييز بين التعاون الدفاعي المثبت وبين ما تتداوله التقارير بشأن ترتيبات عسكرية محددة، لأن وجود مصالح مشتركة لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري شامل أو تطابق المواقف السياسية بين الطرفين.
التكنولوجيا تعيد تعريف القوة العسكرية
يشهد الشرق الأوسط تحولًا في طبيعة التهديدات التي تواجه دوله. فالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية باتت تفرض تحديات تتجاوز مفاهيم الدفاع التقليدي، خصوصًا عندما تستهدف المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
وفي هذه البيئة، لا تكفي امتلاك وسائل الاعتراض وحدها، بل تصبح سرعة تبادل المعلومات ودقة الإنذار المبكر والقدرة على دمج أنظمة الدفاع عناصر حاسمة في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية.
ومن هنا تكتسب الشراكات التكنولوجية أهميتها الجيوسياسية. فالدولة التي تمتلك المعرفة والقدرة على التطوير والصيانة والتحديث تستطيع بناء استقلال نسبي في قرارها العسكري، بينما قد يؤدي الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الخارجية إلى إنشاء روابط يصعب الاستغناء عنها، حتى عندما تتغير الظروف السياسية.
وهذه هي إحدى المفارقات التي ينبغي الانتباه إليها في سباق التسلح الإقليمي؛ فقد تمنح التكنولوجيا الدولة قدرات دفاعية متقدمة، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من الاعتماد الاستراتيجي.
الشرق الأوسط.. شبكة تحالفات لا محور واحد
لا تتحرك دول المنطقة في اتجاه واحد، ولا تتطابق حساباتها الأمنية لمجرد ارتباطها بعلاقات اقتصادية أو دفاعية مع الأطراف نفسها. فمستويات التعاون مع إسرائيل تختلف بين الإمارات والبحرين والمغرب، كما تختلف دوافع هذه العلاقات وحدودها من دولة إلى أخرى.
وفي المقابل، تتشكل مسارات أخرى للتعاون الإقليمي، من بينها العلاقات السعودية التركية، والشراكات الأمنية مع باكستان، إلى جانب التقارب الإماراتي مع إسرائيل والهند في مجالات مختلفة.
ولا يعني ذلك أن المنطقة انقسمت بصورة نهائية إلى محورين متقابلين، بل إن المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وقد تتعاون دولتان في ملف بينما تختلفان في ملفات أخرى.
لكن اتساع هذه الشبكات يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن مستقبل الأمن الإقليمي: هل تقود الشراكات المتعددة إلى زيادة قدرة الدول على مواجهة التهديدات، أم تسهم في تعميق المنافسة وخلق ترتيبات مضادة ترفع احتمالات التصعيد؟
تتوقف الإجابة على طبيعة هذه الشراكات، ومدى شفافيتها، وقدرتها على مراعاة المصالح الأمنية للدول المجاورة، بدلًا من تحويل المنطقة إلى سباق مفتوح لبناء التحالفات العسكرية والتكنولوجية.
الأمن القومي المصري في قلب المعادلة
بالنسبة إلى مصر، لا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن التطورات في الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق المتوسط. فهذه الدوائر الجغرافية متصلة بمصالح مصر الاستراتيجية، سواء فيما يتعلق بأمن الملاحة وقناة السويس، أو باستقرار البحر الأحمر، أو بتوازنات القوى المحيطة بالدولة المصرية.
ولا تقتضي القراءة الواقعية اعتبار كل تعاون دفاعي بين إسرائيل ودولة عربية تهديدًا مباشرًا لمصر، لكنها تقتضي متابعة تأثير هذه الشراكات في ميزان القوى، وطبيعة الترتيبات الأمنية المستقبلية، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الإقليمية في إدارة الأزمات.
كما أن مستقبل القضية الفلسطينية يظل عنصرًا أساسيًا في تقييم أي تصور جديد للأمن في الشرق الأوسط. فالتعاون العسكري والتكنولوجي قد يوفر أدوات إضافية لحماية الدول، لكنه لا يعالج جذور الصراع ولا يستطيع وحده تأسيس استقرار مستدام ما دامت قضايا الاحتلال والحقوق الفلسطينية دون تسوية عادلة.
ومن ثم، فإن المصلحة المصرية تقتضي الجمع بين تطوير القدرات الوطنية، وتعزيز التعاون العربي المتوازن، ومتابعة التحولات التكنولوجية والعسكرية، مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي وعدم الانجرار إلى استقطابات لا تخدم المصالح الوطنية.
من يملك التكنولوجيا يمتلك أوراق القوة
تكشف السنوات الست الماضية أن اتفاقات أبراهام لم تعد مجرد ملف دبلوماسي، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل القوة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن قيمتها الاستراتيجية لا تقاس بعدد الاتفاقات الموقعة وحده، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج ترتيبات مستدامة، وبالنتائج التي تتركها في أمن المنطقة وتوازناتها.
فالمنافسة المقبلة لن تدور حول السلاح وحده، بل حول من يمتلك التكنولوجيا، ومن يتحكم في المعلومات، ومن يستطيع تطوير صناعاته الدفاعية بدلًا من الاكتفاء بشراء منتجات الآخرين.
وهنا تبرز القضية الأهم أمام الدول العربية، وهي أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالاعتماد الدائم على الشراكات الخارجية، وإنما ببناء قاعدة علمية وصناعية وطنية، وتطوير القدرات البشرية، وتحقيق قدر أكبر من التكامل في مجالات البحث والتكنولوجيا والدفاع.
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة قد تعيد تعريف مصادر القوة والنفوذ. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية ليس فقط من يتحالف مع من، بل من يمتلك القدرة على حماية مصالحه وصناعة مستقبله بقراره المستقل.

















