في دولةٍ تُعلن صباح مساء أنها تخوض معارك التنظيم والانضباط وتطبيق القانون، يبدو المشهد في الشارع المصري مختلفًا تمامًا؛ فهناك جريمة لا تُطارد، ومخالفة لا تُعاقب، بل تتحول تدريجيًا إلى واقعٍ مُعترفٍ به، وكأن الدولة قررت أن تمنح الفوضى ختم الشرعية بدلًا من مواجهتها.
منذ سنوات، كانت الجهات المختصة تؤكد أن المركبات المتهالكة والمخالفة لا يجوز ترخيصها أو تشغيلها، لأسباب تتعلق بالأمان والسلامة العامة، أو لمخالفتها الاشتراطات البيئية والفنية، وكانت تلك السيارات تُباع في المزادات باعتبارها “خردة” أو قطع غيار، ويحصل المشتري على مستند واضح يفيد بأنها غير قابلة للترخيص أو السير في الطرق العامة.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان شيئًا آخر تمامًا.
فقد تسللت تلك المركبات إلى الشوارع الخلفية والأحياء الشعبية والعشوائية، وتحولت إلى وسائل نقل يومية تحمل المصريين في رحلات محفوفة بالموت. مركبات بلا ضوابط، بلا تأمين، بلا رقابة حقيقية، يقود كثيرًا منها أطفال لم يبلغوا السن القانونية، أو أشخاص تحت تأثير المخدرات والحبوب المخدرة، في مشهد عبثي يختلط فيه الإهمال بالخطر، ويتحول فيه المواطن إلى ضحية يومية لمرفق نقل غير إنساني.
كم من حادث دهس وقع؟ وكم من أسرة دفعت ثمن الفوضى؟ وكم من فتاة تعرضت للتحرش أو الترويع داخل تلك المركبات؟ وكم من مواطن شاهد تعاطي المخدرات علنًا دون أن يجرؤ أحد على المواجهة؟
ورغم كل ذلك، لم يكن الأكثر صدمة هو وجود هذه المركبات، بل الطريقة التي جرى بها “التعايش الرسمي” معها.
فقد فوجئ المواطنون في مناطق عديدة بقيام بعض أقسام الشرطة بتحصيل مبالغ مالية من أصحاب تلك السيارات، ومنحهم أرقامًا توضع على الزجاج الأمامي، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه اعتراف ضمني بشرعية ما كان يُعتبر بالأمس جريمة ومخالفة تستوجب المصادرة.
هنا يتحول السؤال من مجرد مخالفة مرورية إلى قضية أخطر بكثير: كيف تتحول المركبة غير القانونية إلى مركبة “شبه رسمية”؟ وكيف يصبح الخطر على حياة المواطنين أمرًا يمكن تنظيمه ماليًا بدلًا من منعه؟ وهل عجزت الدولة عن إيجاد حلول نقل حقيقية، فقررت تقنين الفوضى بدلًا من إنهائها؟
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط تهالك تلك المركبات، وإنما الرسالة التي تصل للمجتمع: أن القانون يمكن الالتفاف عليه، وأن المخالفة قد تتحول مع الوقت إلى أمر واقع، وأن الجريمة قد تُدار إداريًا بدلًا من مكافحتها.
الدولة التي كانت تُصادر هذه السيارات باعتبارها خطرًا على الإنسان، أصبحت تتعامل معها باعتبارها مصدر تحصيل ورسوم، بينما المواطن وحده يدفع الثمن من أمنه وسلامته وكرامته.
إن المصريين لا يطالبون بالمستحيل، ولا يرفضون البحث عن حلول لأزمات النقل داخل المناطق الشعبية، لكنهم يرفضون أن تكون حياتهم رهينة مركبات متهالكة يقودها الخارجون عن القانون، تحت سمع وبصر الجميع.
فإذا كانت الدولة قد عجزت عن القضاء على الظاهرة، فهل أصبح المطلوب هو التعايش معها؟
وإذا كان الخطر معروفًا ومعلنًا، فمن يتحمل مسؤولية الدماء القادمة؟
إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يُمارس في الخفاء، بل ذاك الذي يتحول بالتدريج إلى واقعٍ مُقنن.. حيث يصبح الجُرم نفسه جزءًا من المشهد الرسمي، ويعتاد الناس عليه حتى يفقدوا القدرة على الدهشة.




















