حين نبحث في جذور أزمة البرلمان المصري الحالي، لا يمكن أن نتجاهل الجريمة الدستورية المسكوت عنها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، والمتمثلة في إهمال الدولة إجراء انتخابات المجالس المحلية، رغم أن الدستور نص صراحة على وجودها كاستحقاق أساسي يمثل القاعدة الشعبية للسلطة في مصر.
فالمادة (180) من الدستور المصري واضحة وضوح الشمس، إذ تنص على أن “تنتخب كل وحدة محلية مجلساً بالاقتراع العام السري المباشر لمدة أربع سنوات، ويشترط ألا يقل سن المترشح عن إحدى وعشرين سنة ميلادية، ويختص المجلس بمتابعة تنفيذ خطط التنمية ومراقبة أوجه النشاط المختلفة وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية في نطاق الوحدة المحلية.”
هذه المادة لم تُفعل، ولم يُحترم نصها الدستوري، رغم مرور أكثر من عقد ونصف من غياب المجالس المحلية، مما خلق فراغاً رقابياً ضخماً على المستوى القاعدي، أدى إلى تمدد الفساد في المحليات، وإلى انقطاع العلاقة المباشرة بين المواطن وصاحب القرار التنفيذي.
هذا الفراغ المحلي انعكس بالضرورة على البرلمان نفسه، إذ صعدت إلى مجلس النواب وجوه لم تمارس يوماً عملاً سياسياً حقيقياً، ولم تعرف أدوات الرقابة أو آليات التشريع، بل اكتفت بممارسة ما تجيده في الشارع من توزيع “شنط السلع” وشراء الأصوات، ظنًّا منهم أن السياسة هي استمرار لنشاطهم الخدمي الموسمي، لا أنها مسؤولية تشريعية ورقابية تحدد مصير الأمة.
أغلب مرشحي أحزاب المولاة الذين يشغلون مقاعد البرلمان اليوم، لا يرقون حتى إلى مستوى عضو مجلس محلي — لا وعيًا سياسيًا، ولا قدرةً على التشريع، ولا إدراكًا لدور النائب الحقيقي — فهم أبناء ثقافة الترضية والوجاهة الاجتماعية، لا أبناء التجربة السياسية والممارسة الحزبية.
اقرأ أيضًا: مجدي حمدان يكتب: كيف نجحت الدولة المصرية في صناعة برلمان بلا هوية؟
ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، كانت النتيجة أن غابت الرقابة البرلمانية عن أداء الحكومة، وتوالت القوانين الكارثية التي تمت الموافقة عليها بالإجماع أو بالتصفيق، دون دراسة أو مناقشة حقيقية، فقط لأنها “رغبة الحكومة”.
وهكذا تحولت القاعة التشريعية إلى صالة موافقات، لا إلى ساحة حوار وطني أو رقابة جادة.
لقد أدى غياب المجالس المحلية إلى شللٍ في منظومة الرقابة المتدرجة:
من المحلي إلى المحافظ إلى البرلمان.
فبدل أن يكون النائب ابن تجربة ميدانية، قادم من تفاعل حقيقي مع الناس في وحداتهم المحلية، أصبح ابن المصالح الانتخابية، وأداة بيد السلطة التنفيذية لا عليها.
إن الدستور المصري لم يُكتب ليُزين الرفوف، بل ليُحترم.
وغياب انتخابات المجالس المحلية طوال هذه السنوات هو انتهاك دستوري صريح، تتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية والبرلمانية على السواء.
وحتى تعود الهوية للبرلمان المصري، لا بد من إعادة الحياة للمجالس المحلية باعتبارها المدرسة الأولى للممارسة السياسية، وضمان أن يكون البرلمان القادم نتاج وعيٍ سياسيٍ شعبي، لا نتاج المال السياسي وحقائب المكرونة.






















