مرت سنوات، وربما توقف بعضنا عن حسابها، على ثورة 25 يناير، ولم تتوقف محاولات تشويه الحدث الأهم للمصريين في آخر نصف قرن على أقل تقدير. هل هو تجاوز من أحد أبناء الثورة في تقدير أهمية حدث أعتبر نفسي جزءًا منه؟
بالنظر المحايد إلى أحداث جسام مرت على المصريين، لم يكن لآحاد الناس سابقة في أخذ زمام المبادرة للتحرك والتعبير عن الرغبة في الحياة منذ ثورة 1919 العظيمة بهذه القوة. وإذا كانت حركة يوليو بمبادرة من بعض ضباط الجيش وقد لاقت قبولًا شعبيًا، وإذا كانت المقاومة في بورسعيد مقاومةً لإعادة الاحتلال وقف فيها الشعب مع الجيش الوليد، وإذا كانت حرب أكتوبر خالصة للقوات المسلحة، فلا يبقى إلا انتفاضة الخبز سنة 1977، وعلى محدودية حركتها واستيعاب الرئيس السادات لمسبباتها والتراجع السريع الذكي، ما أدى إلى عدم اتساعها وتحولها إلى ثورة عارمة.
لا يتبقى إذن إلا ثورة الخامس والعشرين من يناير كتحرك شعبي فردي، كان الرأي فيه لآحاد الناس، طال انتظارهم لحلم الحياة بكرامة وشرف، مطالبين بمطالب عادلة: “عيش/ حرية/ عدالة اجتماعية”، ومقاومين تأبيد السلطة، وتأميم السياسة، وتوريث السلطان.
لم يسمع الرئيس مبارك للناس حين هتفوا “كفاية”، في حين جُددت ولايته في 2005، ومع ذلك صبر الشعب المشهور بفضيلة الانتظار على تجبر داخلية حبيب العادلي، وفساد أركان حكم مبارك وحاشية نجله جمال، واستهزاء رأس السلطة بكل أشكال الاحتجاج السلمي، والظن أن الحياة قد استقامت ولا راد لقضائه وإرادته ومشيئته.
وإذا كان للناس فضيلة الصبر، فلهم مع الصبر فضيلة الكرامة، ولا ينفصلان.
ربما كان الحديث عن ثورة يناير يثير الجدل حول مآلاتها، وهو في الحقيقة لا ينفصل عن باقي ثورات التاريخ. فالثورة الشعبية الأعظم في تاريخ البشر، الثورة الفرنسية، وُصمت بأنها مؤامرة إنجليزية، وتم إعدام الثوار ومحو أسمائهم من كتب التاريخ، واستُدعيت أسرة البوربون للحكم مرة أخرى، ولكن لا يصح إلا الصحيح، واعترف الفرنسيون، ومعهم العالم، بفضل الثوار على ضمير وفكر وعقل البشرية.
قبل ثورة يناير، لم يكن هناك إيمان من السلطة السياسية بضرورة الحوار الجاد مع أبناء الشعب المصري المتطلع إلى الحرية والكرامة، ولا نية للإصلاح السياسي، ولا نظرة حكيمة ترى أن الأمور، وإن ظهرت مستقرة، فإن ما تحت السطح بركان يوشك على الانفجار، وأن تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والعدالة حقوق مشروعة لا يجب النظر إليها على أنها رفاهية.
وأقول وأنا مرتاح الضمير: إن ثوار يناير لم يكونوا يومًا دعاة للفوضى ولا للهدم، وإن مطالب ثورة يناير كانت ولا تزال في القلوب، وإن خوف ثوار يناير على وطنهم قد عصم هذا البلد الطيب وهذا الشعب الطيب من فتنة وفوضى ودمار لا يعلم مداه إلا الله. ولم نسمح لأنفسنا أن تطغى علينا دوافع الانتقام يومًا، بل كانت الرغبة النبيلة في تحقيق الهدف العام دون النظر إلى المصلحة الفردية، التي كانت أقرب إلينا ممن لهث إليها من التيارات الأخرى.
ثورة يناير كانت وستظل في القلوب بأحلامها وتطلعاتها وأفكارها النبيلة، وسيظل ثائر يناير هو الحالم لوطنه برفعة الشأن، ولشعبه بالرفاهية والاستقرار.
عاشت مصر… وعاشت ثورة يناير العظيمة.




















