شهدت عملة البيتكوين تراجعًا حادًا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما فقدت نحو 50% من قيمتها مقارنة بالمستوى القياسي الذي تجاوز 123 ألف دولار في يوليو 2025، في تطور أعاد الجدل حول مستقبل العملات المشفرة ومدى قدرتها على الحفاظ على قيمتها في أوقات اضطراب الأسواق.
ويرى خبراء أن الهبوط الأخير لا يعكس بالضرورة تغيرًا جذريًا في أسس الاستثمار بالعملات الرقمية، بل يأتي في إطار الطبيعة شديدة التقلب التي تميز هذا النوع من الأصول، بالتزامن مع موجة أوسع من إعادة تقييم المخاطر في الأسواق العالمية.
إعادة تقييم المخاطر تضغط على العملات المشفرة
قال دانيال سوتيروف، المدير المساعد لأبحاث صناديق المؤشرات المتداولة والاستراتيجيات السلبية في شركة مورنينجستر، إن جزءًا كبيرًا من التراجع يعود إلى طبيعة سوق العملات المشفرة نفسها، موضحًا أن بيتكوين لم تكن وحدها التي تعرضت للضغوط، بل تزامن انخفاضها مع تراجع عدد من الأصول الأخرى مع إعادة المستثمرين تقييم مستويات المخاطر واتجاهاتهم الاستثمارية.
وأشار إلى أن عمليات جني الأرباح بعد تسجيل مستويات قياسية، إلى جانب استمرار توقعات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، دفعت المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول مرتفعة المخاطر، وعلى رأسها العملات المشفرة.
الذكاء الاصطناعي يجذب السيولة الاستثمارية
وأوضح سوتيروف أن جزءًا من الأموال التي كانت تتجه إلى العملات الرقمية انتقل نحو قطاعات أخرى توفر فرص نمو مرتفعة، خاصة الاستثمارات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي استحوذت خلال الفترة الماضية على اهتمام واسع من المستثمرين والمؤسسات المالية.
وأضاف أن بيتكوين قد تؤدي دورًا في تنويع المحافظ الاستثمارية بسبب عدم ارتباطها الكامل بحركة الأسهم أو السندات أو العقارات، إلا أنه أبدى تحفظًا بشأن اعتبارها مخزنًا موثوقًا للقيمة أو وسيلة فعالة للتحوط من التضخم، نظرًا لتقلباتها السعرية الكبيرة.
خبراء: لا تضعوا نسبة كبيرة من أموالكم في بيتكوين
من جانبه، أوصى أندرو هيرتسوغ، المخطط المالي المعتمد لدى مجموعة واتشمان، المستثمرين بعدم تخصيص أكثر من 1% إلى 5% من إجمالي محافظهم الاستثمارية لعملة بيتكوين.
وأوضح أن هذه النسبة تسمح بالاستفادة من فرص النمو المحتملة التي قد تحققها العملة الرقمية مستقبلاً، مع الحد من التأثير السلبي في حال تعرض السوق لموجات هبوط حادة ومفاجئة.
المستثمرون طويلو الأجل يتمسكون بالتفاؤل
ورغم التراجع القوي، لا يزال عدد من المستثمرين ينظرون إلى الانخفاضات الحادة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الدورات المتكررة التي شهدتها العملات المشفرة منذ ظهورها.
ويعتقد هؤلاء أن الاحتفاظ ببيتكوين على المدى الطويل قد يظل خيارًا استثماريًا جاذبًا، خاصة مع استمرار تبني التكنولوجيا المرتبطة بالأصول الرقمية واتساع نطاق استخدامها في العديد من الأسواق.
هل بيتكوين استثمار أم مضاربة؟
في المقابل، يرى روبرت جونسون ، أستاذ المالية في جامعة كريتون، أن بيتكوين تختلف جوهريًا عن الأصول التقليدية مثل الأسهم والسندات والعقارات.
وأوضح أن هذه الأصول يمكن تقييمها استنادًا إلى تدفقات نقدية أو أرباح أو عوائد مستقبلية، بينما لا توفر بيتكوين مثل هذه المؤشرات، الأمر الذي يجعل تحديد قيمتها العادلة أكثر صعوبة، ويجعل الاستثمار فيها أقرب إلى المضاربة مقارنة بالاستثمار التقليدي.
مستقبل بيتكوين بين الفرص والمخاطر
يعكس التراجع الأخير في بيتكوين استمرار الانقسام بين الخبراء بشأن مستقبل العملات المشفرة؛ فبينما يرى البعض أنها تمثل فئة أصول جديدة قد تلعب دورًا متزايدًا في النظام المالي العالمي، يحذر آخرون من أن تقلباتها العنيفة تجعلها غير مناسبة كمخزن للقيمة أو كبديل للأصول الاستثمارية التقليدية.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسعار الفائدة العالمية واتجاهات السيولة والاستثمار، يبقى أداء بيتكوين خلال الفترة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بشهية المستثمرين للمخاطرة ومدى قدرتها على استعادة ثقة الأسواق بعد واحدة من أكبر موجات التراجع في تاريخها الحديث.



















