في خطوة وصفت بالتاريخية، وافق مجلس النواب نهائيًا على مشروع قانون الإيجار القديم، بعد سنوات من الجدل والانتظار بين المؤيدين للتعديل والمعارضين له.
ويهدف القانون الجديد إلى إعادة التوازن في العلاقة بين المالك والمستأجر، استنادًا إلى ما كشفه حكم المحكمة الدستورية العليا بشأن عدم دستورية بعض مواد القوانين السابقة التي نظّمت هذه العلاقة لعقود طويلة دون تغيير.

قانون الإيجار القديم.. نحو تنظيم العلاقة وتأمين الحقوق
يرتكز مشروع قانون الإيجار القديم على فلسفة إعادة تنظيم الأجرة القانونية للأماكن المؤجرة، سواء لغرض السكن أو لغير غرض السكن، بشرط أن تكون تلك الأماكن مؤجرة للأشخاص الطبيعيين فقط.
وهو ما يعيد النظر في العقود “الموروثة” المفتوحة التي وُقعت قبل عام 1996، والتي بقيت لعقود طويلة دون تعديل في القيمة الإيجارية أو تحديد زمني لانتهاء العقد.
ويأتي هذا القانون كاستجابة واضحة لحكم المحكمة الدستورية، الذي طالب بإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين بما يحقق العدالة الاجتماعية، ويحترم حق الملكية من جهة، وحق السكن من جهة أخرى.
إلغاء القوانين القديمة.. لحظة فاصلة في التشريع المصري
نصت المادة التاسعة من مشروع قانون الإيجار القديم على إلغاء القوانين التالية:
القانون رقم 49 لسنة 1977 بشأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
القانون رقم 136 لسنة 1981 بشأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن.
القانون رقم 6 لسنة 1997 الخاص بتعديل الفقرة الثانية من المادة 29 من قانون 49 لسنة 1977.
ووفق النص القانوني، فإن إلغاء هذه القوانين يتم اعتبارًا من اليوم التالي لانقضاء سبع سنوات على تطبيق القانون الجديد، ما يمنح فترة انتقالية لجميع الأطراف لتوفيق أوضاعهم، دون أن يتضرر أي طرف بشكل مفاجئ أو غير مدروس.
عقود ما قبل 1996.. الخضوع للقانون الجديد
بحسب ما أكد المشرّعون، فإن العام 1996 يمثل الحد الفاصل في تحديد ما إذا كان قانون الإيجار القديم ينطبق على عقد الإيجار أم لا.
فعقود الإيجار المبرمة قبل عام 1996، والتي كانت غالبًا ما تُبرم لأجل غير مسمى وبأجرة ثابتة لا تخضع للزيادة، هي العقود التي يشملها التعديل الجديد، خاصة تلك التي ورثها الأبناء والأحفاد من المستأجرين الأصليين دون تجديد رسمي أو اتفاق واضح مع المالك.
أما العقود المبرمة بعد 1996، فقد خضعت بالفعل لأحكام القانون رقم 6 لسنة 1996، والتي وضعت إطارًا زمنيًا محددًا للعقود (5 سنوات، 10 سنوات، 59 سنة)، وبالتالي لا يشملها القانون الجديد، وستظل قائمة وفقًا لمبدأ الاتفاق والتراضي بين الطرفين.
جدل شعبي وقانوني.. هل يحقق القانون التوازن المنشود؟
أثار تمرير قانون الإيجار القديم موجة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، إذ انقسمت الآراء بين من يرى أنه إنصاف طال انتظاره لأصحاب العقارات، الذين لم يستفيدوا من أملاكهم لعقود طويلة، وبين من يعتبر أن القانون قد يحمل مخاطر على الأسر التي لا تملك مأوى بديل، خاصة كبار السن والطبقات الأكثر فقرًا.
ومن المتوقع القانون لم يُقر بطريقة فجائية، بل منح مهلة انتقالية مدتها سبع سنوات قبل تفعيل أحكام الإخلاء أو تعديل القيمة الإيجارية، وهو ما يُعد ضمانة اجتماعية لحماية الطرف الأضعف، وفقًا لمبدأ التدرج في التطبيق، وإتاحة الوقت الكافي لتوفيق الأوضاع.
ما مصير الورثة والمستأجرين في ظل قانون الإيجار القديم الجديد؟
بحسب الصياغة الحالية، فإن الورثة الذين يسكنون في العقار المؤجر قبل عام 1996 سيتمتعون بفترة سماح ضمن المهلة الانتقالية، وبعد انقضاء السبع سنوات يصبح المالك في حِلٍّ من الالتزام القديم، ويحق له إما توقيع عقد إيجار جديد مع المستأجر بشروط حديثة، أو استرداد الشقة.
وبذلك يُلغى ما كان يُعرف بـ”الإيجار الممتد إلى الأبد”، وهو ما كان يمنح للمستأجرين وعائلاتهم حق البقاء في العقار إلى أجل غير مسمى، دون الرجوع إلى المالك أو دفع زيادة عادلة في الأجرة.
القانون لا يطبق بأثر رجعي.. ولا يطرد أحدًا فجأة
من النقاط الجوهرية التي أكد عليها المشرّعون أن قانون الإيجار القديم لا يطبق بأثر رجعي، كما أنه لا ينص على الطرد الفوري لأي مستأجر، بل يتم تنفيذ التعديلات تدريجيًا ووفق إجراءات قانونية عادلة، تشمل إخطار المستأجر، ومحاولة الوصول إلى اتفاق جديد، ثم اللجوء للقضاء حال تعذّر الاتفاق.

تعويضات أم لا؟.. المالك بين الحقوق والمستأجر بين القلق
طالب بعض النواب والمحللين القانونيين بالنظر في تقديم تعويضات رمزية للمستأجرين غير القادرين على توفير بدائل سكنية بعد انتهاء العقود، وذلك ضمن برامج الحماية الاجتماعية التي يمكن أن توفرها الحكومة عبر وحدات الإسكان الاجتماعي أو مساعدات الإيجار المؤقتة.
في المقابل، يرى عدد من الملاك أن قانون الإيجار القديم لطالما تسبب في “مصادرة غير مباشرة لحقوقهم في التصرّف في ملكهم”، وأن ما يحدث الآن هو “تصحيح للمسار، لا أكثر”.
الأبعاد الاقتصادية لتعديل قانون الإيجار القديم
يسهم تحرير العلاقة الإيجارية في تنشيط سوق العقارات وعودة جزء كبير من الوحدات المغلقة إلى دورة السكن، بما يساعد في تخفيف أزمة السكن، وتحقيق التوازن في أسعار الإيجارات.
كما أن إعادة تقييم الأجرة القانونية يُعتبر حافزًا للمالكين لترميم عقاراتهم، وتحسين جودة المباني، ما ينعكس على شكل المدن، ويقلل من العشوائيات والإهمال العمراني.
إن تمرير قانون الإيجار القديم يمثل لحظة فارقة في التشريع المصري، تُعيد التوازن إلى علاقة ظلت مختلة لعقود، بين مالك لا يستطيع التصرف في ملكه، ومستأجر يستمد حقًا أبديًا دون تكلفة عادلة.
ومع منح سبع سنوات كمهلة انتقالية، وإبقاء العقود الحديثة كما هي دون مساس، يكون القانون قد حاول بذكاء الجمع بين العدالة الاجتماعية وحقوق الملكية، وهو ما سيكون تحت اختبار حقيقي مع بدء التطبيق الفعلي خلال السنوات المقبلة.






















