يحمل اسمًا مزيفًا وسيرة حياة مليئة بالتحولات والتضحيات، رفعت الجمال، المعروف بـ«رأفت الهجان»، الذي ترك بصماته على صفحات التاريخ المصري.
وُلد في دمياط في 1 يوليو 1927، لعائلة متواضعة حيث كان والده يعمل في تجارة الفحم ووالدته تتمتع بلغة الثقافة بإتقان، إذ كانت تجيد التحدث بثلاث لغات، وهي الإنجليزية والفرنسية والعربية.
رفضته الحياة بسياقها التقليدي والمحدود، فقرر والده نقل عائلته إلى القاهرة، حيث أصر على تسجيله في مدرسة التجارة المتوسطة رغم معارضته.
تعلّم الإنجليزية والفرنسية بلكنتيهما الأصيلتين، وعشق حكايات البطولة والكفاح التي تجسدها بريطانيا في مواجهة النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
اعتُقل رفعت الجمال في ليبيا بتهمة التجسس خلال ثورة 1952، وتعرض لتحقيقات مكثفة من قِبل المخابرات المصرية، وكانت له تجربة مميزة مع الشرطي حسن حسني، الذي كان يقود التحقيقات.
كان الضابط حسن حسني من البوليس السري المصري هو المسؤول عن استجواب الهجان، وبعد استجواب مطول، اعترف رفعت الجمال بهويته الحقيقية وكشف كل ما مرت عليه من أحداث واندماجه مع الجاليات اليهودية حتى أصبح جزءا منهم واندماجه في المجتمع البريطاني والفرنسي.
ومن هنا بدأت رحلة تحوله إلى شخصية جديدة باسم «جاك بيتون»، يهودي أشكنازي من فرنسا، قبل أن يصبح رافع مواطن إسرائيلي.
لم يقتصر دور الجمال على التضحية بحياته الشخصية، بل نقل المعلومات الحساسة إلى مصر، ما ساهم في توجيه السلطات المصرية واتخاذ القرارات الحاسمة خلال الصراعات الإقليمية، بما في ذلك حرب أكتوبر المجيدة.
ظهر نجم الهجان في سماء إسرائيل، حيث أثبت نفسه كشخصية استثنائية تحت غطاء شركة سياحية.
لسنوات طويلة، كان ينقل المعلومات الحساسة إلى جهاز المخابرات المصرية، مُقدمًا تفاصيل دقيقة عن مواعيد الحروب وخطط العدو.
فمن خلال توفير معلومات حساسة، ساهم بيتون في إحباط الاستعدادات الإسرائيلية لنكسة 1967 وتحقيق النصر في حرب 1973. ويُشيرالتقارير إلى علاقاته الوثيقة بقادة إسرائيليين بارزين، مما يجعله شخصية أسطورية في عالم التجسس.
وتصفه رواية «رأفت الهجان» للراحل صالح مرسي بأنه «الرجل الذي وضع رقبته تحت المشنقة لمدة عشرين عامًا» وقد أثبتت الوثائق والشهادات وجوده الحقيقي كجاسوس مصري داخل إسرائيل.
رغم سريته وتخفيه، استطاع الهجان أن يحفر اسمه في الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسرائيلي، وتربع على عرش البطولة القومية في مصر،حيث أُنتج مسلسل تلفزيوني يروي قصته الملحمية.
وقدم الممثل المصري محمود عبد العزيز شخصيته ببراعة وتميز، ما أضفى على القصة بُعدًا إنسانيًا وتاريخيًا يمزج بين الألم والفخر.
ورغم محاولات المخابرات الإسرائيلية لتصوير المعلومات الواردة عنه على أنها مجرد خيال، لم يمكن التقاط تأثيره وعمقه في تشكيل مجريات التاريخ، فهو بالفعل كان نجمًا يسطع بين ضباب الخيال وواقع البطولة.
بعد اعتزاله الجاسوسية، تزوج بيتون وعاش حياة هادئة في ألمانيا، وتوفي في 30 يناير عام 1982 دون أن تكشف هويته الحقيقية إلى وفاته.






















