أجرى الحوار: عصام الشريف
أعده للنشر: حنان كشك – سيف رجب
الصحافة أصبحت مهنة طاردة للاستثمار.. وغياب الحد الأدنى للأجور أمر لا يمكن قبوله
النقابة يجب أن تلعب دورا في جلب عوائد رقمية من الإعلانات لدعم الصحف والمواقع
لا يجوز حجب المواقع بلا أسباب.. وحبس الصحفيين في قضايا النشر “كارثة”
المشهد الانتخابي الحالي مسيء للنقابة.. والاختلاف في الرأي لا يعني التجريح والإساءة
أسعى لتوفير سكن آمن للصحفيين المغتربين.. وأتواصل مع وزارة التضامن لتوفير حضانات لأبناء الزميلات والزملاء
قانون رقم 180 لسنة 2018 كبل الصحفيين وأفقدهم القدرة على ممارسة المهنة
لا يمكن الحديث عن مناخ للحريات وهناك 24 صحفي داخل السجون
تجربة النقيب الحالي كانت ملهمة وثرية ولا يعني ذلك أنها خالية من الأخطاء
ملف القيد من أكثر الملفات التي شابها العوار.. ولائحة 2015 تحتاج إلى إعادة نظر
المرشح الذي يدافع عن الحريات هو ذاته من يشعر بمعاناة زملائه ويقدّم لهم الخدمات
وسط أجواء انتخابية مشحونة وتحديات متراكمة تواجه مهنة الصحافة، تُقدم الكاتبة الصحفية فيولا فهمي نفسها للجمعية العمومية كمرشحة لعضوية مجلس النقابة مقعد «تحت السن»، حاملة في جعبتها برنامجًا انتخابيًا يتقاطع مع هموم المهنة وأزمات الجماعة الصحفيين.
وبفكر نقدي ورؤية شاملة، تتحدث فيولا، عن ضرورة استعادة الدور الحقيقي للنقابة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمهنية لأعضائها، مؤكدة على أن من يدافع عن الحريات هو نفسه من يسعى لتقديم الخدمات، ولا يمكن التفريق بينهم.
وفي حوارها مع «الحرية» كشفت فيولا، عن ملامح برنامجها، ورؤيتها للإصلاح، وموقفها من التحديات التي تعصف بالمهنة والنقابة على حد سواء.
وإلى نص الحوار:
لماذا قررتي الترشح لانتخابات مجلس النقابة؟

في البداية، أنا كنت مهتمة دائمًا بالعمل النقابي، وراودني شعور بأن هذا التوقيت يحمل الكثير من المعاني التي تدفعنا للمشاركة من أجل إحداث التغيير والتطوير، وشعرت في لحظة ما بأن الفرصة قد أصبحت مواتية، وأن هناك حالة من الحراك النقابي التي يمكن من خلالها تقديم رؤى جديدة، والسعي لتنفيذها، بما يحقق الصالح العام داخل نقابة الصحفيين.
وربما لم تكن الأجواء من قبل مهيأة بالشكل الكافي، إذ كانت النقابة تمر بحالة من الخمول، أو تكاد تقترب من الموات، وكنا نعاني من مشكلات كثيرة، وعلى رأسها انعدام الخدمات داخل النقابة، حيث كان مجلس النقابة لا ينعقد إلا ثلاث مرات في السنة تقريبًا، وهي أجواء غير مشجعة إطلاقًا على التفاعل أو الاشتباك مع العمل النقابي، ففي تلك المرحلة، كان الإحباط شديد وكأنها مرحلة «اغتيال معنوي» حقيقية.
ولكن تجربة المجلس منذ عام 2023 وحتى 2025، أعادت لنا بعض الأمل، وأثبتت أنه من الممكن أن يكون هناك اشتباك فعلي مع القضايا النقابية، بل والمجتمعية أيضًا، فقد خاضت النقابة نقاشات قوية حول مشروعات قوانين كان من المفترض أن تُعرض داخل المجلس، كما كانت في طليعة التحركات الداعمة والمساندة للقضية الفلسطينية.
ما هي أبرز محاور برنامجك الانتخابي؟
أبرز محاور برنامجي الانتخابي تنطلق من قناعة راسخة بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين مسألة بالغة الأهمية، ففي الواقع حتى الحد الأدنى لا يُتاح لغالبية الصحفيين، ما يجعلني أشعر بغصة عندما أرى ذلك.
ووضع المهنة ككل يمر بأزمة حقيقية، إذ تحولت الصحافة إلى مهنة طاردة للاستثمار، وغير قادرة في كثير من الأحيان على التعبير عن معاناة المواطنين أو نقل مطالبهم واحتياجاتهم بصدق وحرية، وكانت النتيجة أن القارئ ابتعد وفقدنا صلته بنا.
ولابد من الربط بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين وبين المناخ العام الذي يعملون فيه، فهل يملكون الظروف التي تسمح بإنتاج مواد صحفية تعبر عن الناس؟، هل يستطيعون أن ينقلوا قضاياهم الحقيقية ويشتبكوا معها بصدق؟
فنحن رأينا كيف احتفلنا مؤخرا عندما خرجت جريدة الوفد بعناوين تتناول قضايا المواطنين، كارتفاع أسعار البنزين وآثاره، فمجرد الاحتفال يكشف حجم ما رأيناه من تجريف طويل، ومن تقييد أفقد الصحفيين القدرة على كشف الفساد أو تناول القضايا بجرأة كما في السابق.
وهذه الحالة أثرت بشكل مباشر على فرص العمل، ومستويات الأجور، فوفقًا للاستبيان الذي أعلنته النقابة في مؤتمرها العام السادس فهناك 72% من الصحفيين لا يتقاضون الحد الأدنى للأجور، ونصفهم تقريبًا يحصلون على أقل من 3000 جنيه، كما أن حوالي 50% من المؤسسات الصحفية لا تمتلك لوائح مالية وإدارية واضحة، ما يجعل الوضع في حالة سيولة كاملة.
كما أنه لا يمكن الحديث عن إلزام المؤسسات الصحفية بدفع الحد الأدنى للأجور، دون معالجة تعثر هذه المؤسسات نفسها، فالمؤسسات تواجه أزمات حقيقية، وقد تلجأ إلى الإغلاق إذا فُرضت عليها أعباء لا تقدر على تحملها.
هل لديكِ تصور لدور النقابة في التفاوض مع المؤسسات العالمية لتعويض المواقع والصحف فيما يخص الدخل؟
لا بد أن يكون هناك دور فعال للنقابة في هذا الملف، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك عائد واضح من الإعلانات الرقمية، يعود بالنفع على المؤسسات الصحفية، لا سيما الصغيرة منها.
ومن الضروري كذلك أن تضطلع النقابة بدور في دعم هذه المؤسسات من خلال تقديم بدائل واقعية لتنمية مواردها.

فالصحافة الورقية تمر بأزمة حقيقية في العالم كله، ولكن هناك بدائل يمكن أن تساهم في تحسين الوضع، مثل أن تقوم بعض المؤسسات الإعلامية برعاية المؤتمرات والفعاليات، ومن خلال تلك الرعايات يمكن تحقيق دخل إضافي، كذلك يمكن أن تُقدم بعض المواد النوعية، مثل التحقيقات المعمقة أو الإنسانية، بنظام الاشتراكات المدفوعة، وهذا يُعد مصدر دخل يمكن البناء عليه.
فكل هذه البدائل، إذا ما فُعلت، من شأنها أن تساهم في تمكين المؤسسات الصحفية من الوفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها توفير الحد الأدنى من الأجور للصحفيين، ولكن لا يمكن أن يحدث ذلك دون تهيئة المناخ العام، فإذا ظل هذا المناخ غير المواتي، أو ظل معاديًا للصحافة، فلن تُجدي أي حلول فنية أو اقتصادية نفعًا.
ما رؤيتك للتعامل مع ملف الصحفيين المحبوسين؟
هذا الملف مؤلم ومخيف، فحين أجد أن هناك زملاء صحفيين خلف القضبان، أشعر بأننا فقدنا شيئًا عظيمًا من جوهر المهنة، نحن كنا ولا نزال ننقل صوت الناس، ونعيش في الميدان، نرصد ونوثق ونُعبر، ولكن اليوم صار العمل الميداني شيئًا نفتقده، بل نكاد ننساه.
وقانون رقم 180 لسنة 2018 كبل الصحفيين، وأفقدهم القدرة على الحركة، فلم نعد نملك الحق في النزول إلى الشارع أو التصوير، أو نقل معاناة المواطنين، حتى المواقع الإلكترونية أصبحت تُحجب بطريقة عشوائية، ولا نعلم أسباب الحجب، ولا نعرف من الجهة المسؤولة عنه.
وأتساءل كيف يمكن الحديث عن مناخ للحريات، أو عن توسيع لهامش التعبير، بينما يوجد 24 صحفيًا داخل السجون؟ فهؤلاء الزملاء لم يرتكبوا جرائم، بل مارسوا مهنتهم، فالبعض سُجن لأنه أجرى حوارًا، أو نقل صورة، أو تناول قضية بعينها.
ففي مثل هذا المناخ، من الطبيعي أن يشعر الجميع بالخوف، فلقد تحولت مهنتنا إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، بل من بين أكثر المهن التي تنطوي على نسب خطورة مرتفعة.

ففي ظل هذا الوضع، لا يمكن أن أطلب من صحفي أن يغامر، ولذلك أؤكد أنني على مدى السنوات الماضية كنت في اشتباك دائم مع ملف حبس الصحفيين، خاصة منذ أن ارتفعت معدلات الحبس بشكل ملحوظ فيما بين عامي 2017، 2019.
ويجب أن نؤمن أن قضايا النشر لا يجب أن تكون سببًا للحبس، فيمكن أن تُفرض غرامات مالية، ولكن لا يجوز فرض عقوبات سالبة للحرية في قضايا ترتبط بحرية التعبير والعمل الصحفي، وهذا يقتضي بطبيعة الحال تعديل القوانين، وعلى رأسها إلغاء كل المواد التي تُجيز الحبس في قضايا النشر، فهذا هو الحد الأدنى الذي يجب أن نسعى إليه إن كنا نريد فعلا حماية المهنة، وضمان سلامة من يعملون بها.
ما رأيك في مناخ المشهد الانتخابي داخل النقابة؟
المناخ سيئ جدًا، ويؤثر سلبًا على صورة النقابة في المجتمع، وعلى مكانتها الحقيقية، فأنا أتابع انتخابات نقابة الصحفيين منذ 2007، ولم أشهد من قبل ما نشهده هذه المرة.
والاختلاف مشروع، وتقديم الانتقادات حق مكفول، بل والتعبير بحرية كاملة أمر لا غبار عليه، شريطة أن يكون ذلك بالحجج والوقائع، لكن أن يتحول الخلاف إلى تجريح شخصي، والخوض في المساحات الخاصة، بل واتهام الأشخاص دون دليل، فهذا أمر غير مقبول على الإطلاق.
لقد وصلنا إلى مرحلة من التراشق تمس الأعراض أحيانًا، وتُلقي باتهامات خطيرة، وكل هذه الممارسات لا تليق بجماعة مهنية يُفترض أنها معنية بصناعة الوعي في المجتمع، فنحن جماعة مستنيرة، واعية، ومثقفة، وكان من المفترض أن نكون قدوة في أسلوب الحوار والاختلاف، ومثل هذه التصرفات، قبل أن تسيء إلى من تُوجه إليه، تسيء إلينا جميعًا، وتُفقد النقابة الكثير من احترامها في أعين المجتمع.
ما رأيك في تجربة النقيب الحالي؟
أراها تجربة ملهمة بحق، ولكن كوني أصفها بذلك لا يعني أنها كانت تجربة مثالية خالية من الأخطاء، فلدي العديد من الملاحظات على عدد من القرارات التي اتخذت خلال العامين الماضيين، لكن في نهاية الأمر لا تُقاس التجارب بلحظة واحدة، بل تُقاس بمجمل الأعمال، وإذا نظرنا إلى المجمل فسنجد أنها تجربة متميزة للغاية.
ولقد خرجت نقابتنا من حالة أشبه بالموات إلى حالة من الحراك والنشاط الحقيقي، وكنا نعيش في فترة من الجمود، وكانت الجمعية العمومية فيها مغيبة تمامًا عن نقابتها، بفعل ممارسات أدت إلى تراجع دورها، سواء بتغيب أعضاء المجلس، أو تعطيل مصالح الأعضاء، أو تغييب النقاش والحوار.
وأصبحنا اليوم نشهد عودة الجمعية العمومية إلى النقابة بقوة، فمن يدخل مقر النقابة الآن، في أي وقت من اليوم، يجد حراكًا ونقاشًا وتفاعلًا حيًّا بين الصحفيين، وهذا في جوهره ما تقوم عليه مهنتنا من الحوار، وتبادل الآراء، والنقاش المستمر حول القضايا المهنية والعامة.

فحين يُعاد ربط الصحفيين بنقابتهم، ويعود هذا «البيت الكبير» ليكون مركزًا حيويًا للنقاش والعمل، فإننا أمام حالة تعاف حقيقية، لا يمكن إنكارها، ولهذا أستطيع القول إن تجربة النقيب خالد البلشي كانت تجربة إيجابية إلى حد كبير.
وأرى أنه قدم نموذجًا جيدًا ومختلفًا عن المعارضة التقليدية، التي كثيرًا ما وُصِفت بأنها لا تملك إلا الشعارات والمظاهرات، لكن هذه التجربة أثبتت أن المعارضة قادرة على الإدارة، وعلى تقديم رؤى بديلة ومتجددة، بل ويمكنها أن تكون مصدر إلهام لتجارب أخرى كثيرة.
ما رأيك في أداء المجلس الحالي لنقابة الصحفيين؟
بلا شك، كانت هناك مشكلات، وبعضها طال ملفات مهمة، وعلى رأسها ملف القيد، وهو ملف تكونت حوله إشكاليات كبيرة جدًا، وقد دعت النقابة بالفعل إلى مؤتمر لمناقشة هذه المشكلات، والاستماع إلى الآراء حول سُبل معالجتها، لا سيّما في ظل العوار الموجود في لائحة القيد الصادرة عام 2015.
والحقيقة أن الاعتراف بالأزمة هو جزء أساسي من الحل، فمجرد طرح الأزمة على الطاولة ومناقشتها علنًا يُعد تطورًا مهمًا، لأننا في السابق لم نكن نمتلك حتى جرأة طرح المشكلات، وكان النقاش حولها يتم على استحياء شديد، إن حدث أصلًا.
أما اليوم، فنحن نتحدث في كل شيء، ونناقش جميع الملفات بشفافية أكبر، وهذه نقطة تُحسب للمجلس الحالي، المجلس رقم 23، الذي يمتد لأربع سنوات «حتى عام 2027».
وهذه الروح الجديدة في إدارة النقابة، القائمة على الاعتراف بالمشكلات والانفتاح على الحوار، تُعد من الإيجابيات التي لا يمكن إغفالها.
ما الخدمات التي ستقدمينها في حال نجاحك في الدورة المقبلة؟
أرى أن الخدمات النقابية تمثل ركيزة أساسية لا تقل أهمية عن ملف الحريات، وأنا لست مع التصنيف الذي يُقسم المرشحين إلى مرشح حريات ومرشح خدمات، وكأنهما طرفي نقيض، فعلى العكس من يُدافع عن الحريات هو ذاته من يشعر بمعاناة زملائه ويسعى إلى التخفيف عنها عبر تقديم خدمات حقيقية وملموسة.
وأنا أيضًا من أنصار الخدمات المؤسسية، وأشعر بالغصة حين أرى بعض الخدمات تقدم عبر علاقات شخصية أو بطريقة تفتقر إلى الكرامة المهنية، كأن يُطلب من الزميل أن «يُعرّف بنفسه أنه تابع لفلان» كي يحصل على خدمة ما، فنحن كجماعة مهنية نعتز بأنفسنا، ويجب أن تقدم لنا خدمات محترمة من خلال مؤسستنا النقابية مباشرة.
وأنا نجحت في تقديم سلسلة من الخصومات من خلال التعاقد مع سلسلة صيدليات، وخلال الأيام المقبلة سيتم توقيع اتفاقية بين نقابة الصحفيين وأمانة المراكز الطبية المتخصصة التابعة لوزارة الصحة، للاستفادة من خدمات 83 مستشفى ومركزًا طبيًا متطورًا، تغطي حوالي 22 محافظة.

وهذه الاتفاقية تتضمن خصم 20% للصحفيين، وسيتوفر رقم خاص في كل مستشفى للتواصل مع الزملاء مباشرة.
وأدرك جيدًا معاناة الصحفيين والصحفيات الشباب القادمين من المحافظات، والذين يُجبرون بفعل ضعف الأجور وارتفاع تكاليف الإيجار على الإقامة في مناطق عشوائية، لذا تواصلت مع وزارة التضامن الاجتماعي، وقدمت طلبًا رسميًا إلى الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن، من أجل الاستفادة من بيوت المغتربين التابعة للوزارة، لتوفير سكن آمن ومحترم للصحفيين.
ونحن لدينا مشكلة حقيقية فيما يخص رعاية الأطفال، لا سيما في ظل عدم التزام المؤسسات الإعلامية بتوفير حضانات كما ينص قانون العمل، وهذه المشكلة لا تخص الصحفيات فقط، بل الصحفيين أيضًا، ولهذا أعمل على التعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي لتوفير حضانات ومراكز رعاية مناسبة لأبناء الصحفيين.
ما رسالتك للجمعية العمومية؟
أنتم أصحاب القرار والاختيار، أراهن دائمًا على نضجكم ووعيكم، وقدرتكم على الفرز، الأهم بالنسبة لنا مشاركتكم جميعًا في الانتخابات يوم 2 مايو، طول الوقت كانت انتخابات نقابة الصحفيين مضرب للمثل في نسبة المشاركة ونقاء صندوق الانتخابات للمجتمع كله، ولذلك نحتاج أن نركز على هذه الركائز بشكل كبير، ولكم مطلق الحرية في الاختيار.





















