في ختام تناولنا لعدة قضايا نراها أساسية في إطار “المسألة السياسية المصرية”، من قضية “تقييم تجربة ما قبل وبعد ثورة 25 يناير المجيدة السياسية”.. لقضية “توازن وتكامل الأدوار الوطنية لـ الحياة السياسية والسلطة والدولة”.. فقضية “صدق الإرادة السياسية المشتركة لتطبيق الديمقراطية”.. ثم قضية “القيود التي تقيد الأحزاب السياسية”.. نثير اليوم أبرز قضية سياسية، والتي تمثل غاية هذه القضايا السابق تناولها، ألا وهي قضية “الحراك الوطني”.
في مايو 2023، شهدت مصر حدثاً سياسياً كبيراً تمثل في تدشين “حوار وطني”، وذلك بعد عام من دعوة رئيس الجمهورية، خلال إفطار الأسرة المصرية في أبريل 2022، لإطلاق “حوار سياسي” مع كل القوى بدون استثناء ولا تمييز، ورفع مخرجات هذا الحوار لرئيس الجمهورية شخصياً، ورغم ما شهده “الحوار الوطني” من تفاعل قوي، وتناول شامل، وتنظيم مُحكم، ومشاركة متنوعة، وتركيز إعلامي، ومخرجات واقعية، إلا أن ما حدث في مرحلة ما بعد الحوار الوطني سواء من تعامل مع مخرجاته أو أحداث انتخابية، قدم لنا أعظم وأهم درس سياسي، وهو أن ما تحتاجه الساحة السياسية المصرية ليس حواراً وطنياً وإنما حراكاً وطنياً.
فالحوار الوطني قائم ومستمر، عبر المقالات والفضائيات والبودكاست ومنصات التواصل المختلفة، لكن الإشكالية تكّمن في أن هذا الحوار بلا حراك، فـالحراك الوطني يشهد حالة من الركود، فعلى الرغم من أن تفاعل المجتمع مع قضاياه يظهر بقوة طاغية في المجال العام، عبر حوارات المواطنين والمهتمين بالشأن العام وتعليقاتهم، التي تشكل رأي عام له توجه واضح من هذه القضايا، ألا أننا لا نجد حراكاً وطنياً بشأنها، لا من الشباب وطلاب الجامعات، ولا النقابات المهنية والعُمالية، ولا المجتمع المدني، ولا الكيانات الشعبية المحلية، ولا التجمعات التي تهتم بالمصالح المجتمعية المختلفة،كتلك التي ظهرت وقت مناقشة قوانين مثل الإيجار القديم والأحوال الشخصية.
كان الحراك الوطني، في فترة ما قبل ثورة 25 يناير، مفتقداً لقنواته الرسمية، لكنه ظهر في العديد من المحطات الأساسية، ففي عام 2003 ظهرت حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، وفي 2005 ظهر تيار استقلال القضاء، وفي عام 2008 حدث إضراب 6 أبريل لعمال غزل المحلة الكبرى ضد غلاء المعيشة، وفي 2010 ظهرت الجمعية الوطنية للتغيير، هذا الحراك الوطني كان من فئات وطبقات وقوى مجتمعية مختلفة، وبشأن قضايا مجتمعية متنوعة، وذلك قبل أن ينتقل إلى فئة الشباب في عام 2011.
وعندما واجهت الدولة تحديات أثناء ثورة 25 يناير، تحرك الأهالي وشكلوا لجاناً شعبية لتأمين المناطق والأحياء وتوفير الاحتياجات الأساسية لسكانها، وبعدما تنحى مبارك، تحرك الشباب عبر اللجان الشبابية لتجميل الشوارع والميادين، بل إن٣٠ يونيو في حد ذاتها كانت حراكاً وطنياً لإنقاذ الوطن، وتفويض ٣ يوليو كذلك كان استجابة لاستدعاء وطني، ومؤخراً عندما استدعى رئيس الجمهورية الشعب المصري لإعلان رفض تهجير أهل غزة تحرك الناس للميادين بالملايين.
لكن الحقيقة أن حالة الركود هذه التي أصابت الحراك الوطني، خلال فترة ما بعد ثورة 30 يونيو، لا يمكن معها الحديث عن أحزاب قوية أو برلمان مؤثر، وبالتالي أصبحت الحكومة لاعباً منفرداً مفتقداً للرضا الشعبي، سواء فيما يتعلق بطريقة معالجة الحكومة للقضايا المجتمعية أو بنتيجة وأثر هذه المعالجة.
قبل وأثناء وبعد ثورة 25 يناير كان هناك حراك وطني لكنه كان بلا قيادة وطنية موحدة وبلا مشروع وطني محدد، وهذه كانت إشكالية وطنية كبرى، لأنها حرمت الوطن من استثمار هذا الحراك الوطني، وبعد 30 يونيو تم الإعلان عن العديد من الاستراتيجيات والمشروعات والمبادرات، لكنها جاءت بلا حراك وطني يؤدي إليها وداعم لها، وبالتالي جاءت مفتقدة للمشاركة الجماهيرية وللثقة الشعبية، وهذه فجوة وثغرة سياسية كبرى وغاية في الخطورة.
هذه الفجوة السياسية الخطيرة بحاجة عاجلة لمعالجة تحقق طرفي المعادلة السياسية: حراك وطني يحمل آلام وآمال المصريين من أسفل لأعلى، ومشروع وطني تنموي يعكس هذا الحراك الوطني ويعبر عنه ويترجمه لسياسات مُستجيبة، ليرى فيه المجتمع تلبيةً لاحتياجاته فيثق فيه ويدعم تنفيذه من أعلى لأسفل، فتتعدد البدائل وتُناقش قبل أن تُقر السياسات الأكثر قبولاً وتحقيقاً للصالح العام، وتتضافر الجهود لتنفيذها، ويُقيم أثرها لاستمرارها أو تعديلها، كل ذلك عبر حراك وطني يردم الفجوة السياسية الخطيرة بين المجتمع وبين الحكومة والبرلمان والأحزاب، عبر المشاركة الفاعلة المستمرة من أصحاب المصالح المتنوعة من كافة فئات وطبقات المجتمع، على كافة المستويات الفنية والمركزية والمحلية والتنفيذية والرقابية.
هكذا، ومن خلال الحراك الوطني، يُملاء الفراغ السياسي، فلا تترك ثغرات أمام المؤامرات، عبر نقل الحراك الوطني وتحويل الممارسة السياسية الوطنية إلى المسارات التنموية المتنوعة وباتجاه معاناة المواطنين.. تلك هي القضية.. وهي قضية أمن قومي بامتياز.
إن المسألة السياسية المصرية تتطلب وبصفة عاجلة إنقاذ الحراك الوطني من حالة الركود هذه، لردم هذه الفجوة الخطيرة، وذلك من خلال: “الاستعادة”، و”الاستيعاب”، و”الاستثمار”.
“استعادة” زخم الحراك الوطني التي تتطلب فتح كافة المسارات الشبابية والمجتمعية والجامعية والأهلية والسياسية والنقابية أمامه، كي يتنفس وتضخ الدماء في شرايينه، ومِنْ ثَمَّ “استيعاب” هذا الحراك الوطني في إطار كيانات وتنظيمات وطنية رسمية من اتحادات طلابية ومراكز شبابية ونقابات مهنية وعمالية ومؤسسات مجتمع مدني ومجالس محلية وأحزاب سياسية تمثل قنوات شرعية للحراك الوطني، تنتشر في كافة أرجاء الوطن لتدشين حلقات وصل بين المصالح المتنوعة لكافة فئات وطبقات المجتمع وبين دوائر صنع وتنفيذ السياسات على المستويات المركزية والمحلية، وذلك من أجل “استثمار” قوة هذا الحراك الوطني في مواجهة التحديات الوطنية وتحقيق الأهداف التنموية، من تعليم وصحة وإسكان ومواصلات وحماية اجتماعية وتشغيل وزراعة وري وصناعة وغيرها.
إن مسيرة الحراك الوطني المصري متصلة وممتدة، كما يرويها لنا دستورنا “جاهدنا نحن المصريين للحاق بركب التقدم وقدمنا الشهداء والتضحيات فى العديد من الهبات والانتفاضات والثورات حتى انتصر جيشنا الوطني للإرادة الشعبية الجارفة فى ثورة ٢٥ يناير – ٣٠ يونيو.. هذه الثورة امتداد لمسيرة نضال وطني.. أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد.. ثورة ١٩١٩.. ثورة ١٩٥٢.. نصر أكتوبر المجيد.. نحن المصريين.. نؤمن أننا قادرون أن نستلهم الماضى وأن نستنهض الحاضر وأن نشق الطريق إلى المستقبل قادرون أن ننهض بالوطن وينهض بنا.. هــذا دستورنــا”، وهذا هو فعل السياسية.














