في السنوات العشر الأخيرة، لم تتحول ظاهرة الإدمان في مصر إلى مجرد أزمة صحية واجتماعية، بل أصبحت بابًا خلفيًا لصناعة مربحة تحمل عنوان “العلاج من الإدمان”
وبينما تزدحم السجون والمدن بالمتعاطين، انتشرت على أطراف القاهرة والمحافظات مئات المراكز التي تزعم قدرتها على علاج المدمنين، كثير منها يعمل بدون ترخيص، ودون أي رقابة حقيقية
هذه المصحات تحولت إلى بيزنس ضخم، يدر أرباحًا هائلة، لكنه في المقابل يحصد أرواح عشرات الشباب سنويًا
مصحات بلا ترخيص صناعة على الهامش
منذ 2015، شهدت مصر طفرة في عدد مراكز علاج الإدمان، لكن وفق بيانات رسمية، أكثر من نصف هذه المراكز تعمل بدون ترخيص.
في تقرير لوزارة الصحة المصرية صدر عام 2020، تم ضبط 121 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان في محافظات القاهرة والجيزة فقط صندوق مكافحة الإدمان كشف في 2023 عن وجود مئات البلاغات حول مراكز وهمية تعمل خارج إشراف الدولة.
لماذا انتشرت هذه المصحات؟
غياب الرقابة الفعلية على هذا القطاع.
ارتفاع تكلفة المصحات المرخصة، فيلجأ الأهالي للبديل الأرخص.
استغلال حالة الذعر المجتمعي من تفشي الإدمان.
وجود سماسرة متخصصين في الترويج لهذه المراكز مقابل عمولات.
ما يحدث خلف الجدران؟
من الداخل، تتحول هذه المراكز إلى ما يشبه مراكز احتجاز أو سجون خاصة، تحت عنوان “العلاج”.
انتهاكات جسيمة تشمل:
الاحتجاز القسري: يتم إجبار المدمن على البقاء، حتى وإن لم يوافق، وغالبًا بإيعاز من الأهل.
التعذيب البدني والنفسي: ضرب، صعق بالكهرباء، تجويع، أو إجبار المرضى على تناول عقاقير مهدئة بجرعات زائدة.
العزل في غرف ضيقة
فترات طويلة بدعوى “التأديب” أو “العلاج السلوكي”.
غياب الإشراف الطبي: غالبية القائمين على هذه المراكز غير متخصصين، وغالبًا من المتعافين السابقين دون تأهيل علمي.
حالات موت صادمة
خلال السنوات الأخيرة، سجلت الصحف والتقارير الحقوقية عشرات حالات الوفاة في مصحات علاج الإدمان غير المرخصة.
أمثلة من الواقع
في أكتوبر 2020، تم ضبط مصحة بالجيزة بعد وفاة شابين بداخلها نتيجة
الضرب والصعق الكهربائي.
في مارس 2023، توفي شاب بمركز غير مرخص في منطقة الخصوص، بعدما تعرض للاحتجاز والتعذيب.
في مايو 2024، اكتُشف وجود جثة داخل مركز تأهيل غير مرخص بالعبور، بعد أن تم إخفاؤها يومين قبل إخطار الشرطة
السماسرة وتجارة العلاج
تحولت مسألة الإدمان إلى “بيزنس ليس فقط في العلاج، بل في تسويق المرضى.
السماسرة يتقاضون عمولات قد تصل إلى 30% من قيمة الإقامة، مقابل جلب مرضى جدد.
المخاطر المجتمعية:
تشويه فكرة العلاج: حين يخرج المريض من هذه المراكز محطمًا نفسيًا أو معذبًا، تتكون لديه قناعة أن العلاج مستحيل.
تضخيم الوصم الاجتماعي: هذه المصحات تكرس فكرة أن المدمن يستحق الإهانة، باعتباره “مجرمًا” وليس مريضًا.
إهدار الحق في الصحة: غياب الرقابة يعني أن حياة المرضى مهدرة.
الحل الممكن:
إصدار تشريع واضح ينظم علاج الإدمان، خاصة في حالات “الإدخال القسري”.
دعم المصحات الحكومية لتكون بديلًا آمنًا ومجانيًا.
ملاحقة المصحات غير المرخصة قضائيًا بتهم الحجز القسري والتسبب في الوفاة.
تفعيل الرقابة المستقلة (منظمات حقوقية + نقابات مهنية).
و أخيرا…..
وراء لافتة “العلاج من الإدمان” يقف قطاع مظلم من السوق السوداء.
مصحات بلا تراخيص، تجرد المدمن من إنسانيته، وتحوله إلى ضحية جديدة، في سلسلة من التعذيب والموت المغلف بأوهام الشفاء.
“هذا المقال ضمن سلسلة مقالات وتحقيقات عن هذه المقابر العلاجية، وأيضا حملة قانونية وصحفية للحد من الظاهرة”






















