الفن هو رسالة ومرآة للمجتمع.. فإن الفن الهادف لم يكن يومًا متعة عابرة ولكنه منبر وصورة واضحة لنبض المجتمع.. يحمل رسالة تتجاوز المشاهد وتتخطى لحظات حية.. يوقظ به الروح ويعطي الذوق ويهيب الوعي ففي كل عصر كان الفن شاهدًا على أحوال الناس في الدراما والسينما تروي الحكايات وتُجسد الآمال والألام ويمنح فيها الصوت الحقيقي فهو مسئولية تُحمل لا رفاهية ولا مجرد مشاهد. فإن الأعمال تولد بالأفكار والشعور الذي يؤثر ويتغير.
الفن هو القوة الناعمة لتشكيل وعي المجتمع وزرع النفوس، فهو رسالة نبيلة تصنع من الإبداع طريق الإصلاح، ويحول الرواية إلى حكاية وطن تتخطى فيها لحظات الأثر، ولعل الدراما المصرية في تاريخها كانت من أبرز تلك الأدوات في التأثير العميق بسرد قصص شكلت وجدان وصاغت مفاهيم ظلت في ذاكرة الأجيال مثل “ليالي الحلمية” التي جسدت فيها تحولات المجتمع المصري و”المال والبنون” التي قدمت صراع بين الطمع والحق، فهي كانت دروسًا مؤثرة ورسائل تغرس في النفوس وذكريات تحفر في العقول والقلوب، وكان يقف خلف هذه الأعمال أبطال كانوا هم الفكر والأداء وعنوان الصدق صنعوا شخصيات عاشت بين المصريين وتأثروا بهم مثل “يحيى الفخراني” و”صلاح السعدني” و”محمود مرسي” و”يوسف شعبان” وغيرهم الكثير شكلوا وجدان يعكس حال المجتمع ويطرح القضايا.. فكانوا القوة الناعمة التي تُغير عبر الحكايات المتددة عبر العقود.
وإذا كانت الدراما شكلت الوجدان فإن السينما المصرية أضافت وركزت وأختزلت في لقطات ولدت تأثيرًا مضاعفًا، ففي قلب تلك الحياة برزت أدوار الشر والخير معًا لا مجرد نقيض بل مرآة تكشف التعقيدات التي تمتزج النور بالظلام.. تتجاوز فيها القسوة بالرحمة في صراعات متناقضة وأبرز فنان كان نموذجًا لذلك هو العملاق “ذكي رستم” في فيلم رصيف نمرة 5 والذي يظل هذا الفيلم شاهد على قدرة فريدة ليتحول في لحظة بين قسوة إلى إنسانية في مشهد يحمل وجهين للشر والخير معًا ليؤكد أن التمثيل هو القدرة في العبور إلى الشئ وضده، ليقنع ويدهش المشُاهد.
وامتد هذا اللون من التمثيل إلى قامات فنية مثل “محمود المليجي” والذي كان مدرسة في الشر ويحمل نظرات القسوة وفي قلبه الإنسان، وبراعة “فريد شوقي” بين الهيبة والعاطفة، وتحولات “أحمد ذكي” الدقيقة فقد كان قادر على التحول في لحظة واحدة.. ولم تعد أدوار الشر والخير معًا مجرد قالب لأي ممثل بل مساحة تتجلى فيها صراعات داخلية.. فإن الفنان الحقيقي يجسد تلك الشخصية ليكشف صراعات نفسية ويقدم فنًا إنسانيًا لا تمثيل شرًا أو خيرًا لذاتهما بل ليكشف التناقضات وكلًا فيهما على حقيقته.
وفي هذا السياق ومن قلب الدراما الحديثة قدم لنا “حاتم صلاح” في مسلسل “إفراج” للموسم الرمضاني المنقضي أداء مُتقن تتداخل فيه ملامح الخير والشر معًا فلا تعرف أهو ملاك في هيئة إنسان أم إنسان يخفي شيطانًا خلفه.. يقسو ويلين.. يقترب ويبتعد ليجسد واقع نعيشه لا خيال نشاهده.. فإن ما قدمه هي رؤية الدراما والسينما لنماذج مركبة، فلم يعد الشر وجهًا شيطانيًا ظاهرًا بل قناع يرتديه الأقربون قبل الغرباء.. فقد صور الحياة كما صورها الفن قديمًا.. فإن الحياة ليست أبيض ناصع أو أسود قاتم بل هناك مساحات رمادية تختبئ خلفها نوايا مخادعة.. فإن القريب الذي يحتضك قد يكون ذاته الذي يطعنك بسلاحه.
“حاتم صلاح” تحول دوره الفني إلى رسائل تتجاوز الحدود ليقول لنا إن الخطر ليس دائمًا بعيدًا فقد يكون في صورة صديق أو قريب.. فقد أعاد صياغة المثل والحكمة “احترس من عدوك مرة ومن صديقك ألف مرة” فقد عبر بين ملامح الخير والشر معًا في تحول حقيقي، فلم يكن مجرد ممثل يؤدي دورًا بل كان صانع حالة إنسانية نابضة فقد استطاع حجز مكانه بين الكبار لا بكثرة المشاهد بل بعمق الأداء والتأثير الفعال فقد كان ينتقل بين الخير والشر بسلاسة وتتحول ملامحه بتحول الحياه نفسها.. جسد بذاته المساحة الرمادية ليذكرنا بالكبار مثل “ذكي رستم” في عمق النظرة وبصمة “محمود المليجي” في الإتزان بين القسوة والإنسانية.. ليضيف إليهم ويكون امتداد لهذا النهج ويصنع لنفسه طريقًا يليق بحاضره والزمن التي تبدلت فيه الوجوه.. فقد صنع مجدًا وأداء فرض نفسه وحضور ترك أثره.. فقد أثبت أن الإبداع لا يرتبط بزمن بل بروح تحاكي الإنسان.. وإن الفن لا يندثر بل يتجدد وإنه مرآة حقيقية تعكس وجوه المجتمع بكل ما فيه من نور وظلام.
إن الفن ومهما تغير الزمن والوجوه سيظل شاهدًا على الناس ولسان حال البسطاء يختزل حكايات الشوارع وما وراء الجدران بين لقطة ومشهد تختلف فيه الأدوات ليظل صدقه حيًا يكشف السوء ويجعل للحقيقة صوتًا لا ينقطع عبر الزمان.





















