لم يكن اعتراف الكيان الصهيوني اليوم بما يسمى “أرض الصومال” (صوماليلاند) مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، أو بحثاً عن موطئ قدم هامشي في القرن الإفريقي. بل هو، عند وضعه في سياقه الصحيح، إعلان رسمي عن وضع “حجر الزاوية” الأخير في مشروع هندسي خبيث يُراد به إعادة رسم خريطة المنطقة، ليس بالقلم والمسطرة كما فعل “سايكس وبيكو”، بل بالدم والميليشيات ودعم الانفصال.
إننا اليوم لا نشهد أحداثاً عشوائية، بل نراقب “خارطة طريق” واضحة المعالم، يقودها تحالف مصالح مريب بين الكيان الصهيوني وقوى إقليمية -وعلى رأسها الإمارات- تلعب أدواراً وظيفية تتناقض بشكل صارخ مع مقتضيات “الأخوة العربية” وتتصادم بعنف مع ثوابت الأمن القومي لأكبر دولة عربية: مصر.
”القبلة المحرمة”: لماذا يهرول الانفصاليون نحو تل أبيب؟
إن اللافت في هذا المشهد العبثي هو ذلك “القاسم المشترك” الذي يجمع أغلب قادة حركات الانفصال والميليشيات في الوطن العربي اليوم. سواء نظرنا إلى ما يفعله “حميدتي” في تمزيق أوصال السودان، أو ما يمارسه “حفتر” لسلخ الشرق الليبي، أو قادة “صوماليلاند”، أو الميليشيات الموالية للإمارات في اليمن؛ نجد أن بوصلتهم جميعاً تتجه نحو “الكيان الصهيوني”.
هؤلاء القادة يدركون حقيقة جيوسياسية واحدة: أن “طريق الشرعية الدولية يمر عبر تل أبيب”. هم يعلمون جيداً من يقف خلف الكيان الصهيوني (القوى الغربية الكبرى)، وبالتالي فإن تقديم “الولاء والطاعة” لإسرائيل، وعرض العلاقات الدبلوماسية معها، هو “تذكرة العبور” الوحيدة التي تضمن لهم البقاء في السلطة، وتمنحهم الحصانة الغربية، والاعتراف بدويلاتهم المسخ. إنهم يقايضون وحدة أوطانهم برضا الكيان، ويبيعون التاريخ بالجغرافيا.
نفاق الاستراتيجية: بين الصومال والمغرب
ولكي تتضح الصورة الكاملة لهذا المخطط القائم على “المصلحة” لا “المبدأ”، علينا النظر إلى المفارقة الصارخة في تعامل الكيان الصهيوني مع ملف “الصحراء الغربية”.
فبينما يسارع الكيان للاعتراف بـ”أرض الصومال” لتفتيت دولة عربية وإسلامية، نجده لا يعترف بـ “الدولة الصحراوية” ويقف ضد انفصالها. ليس حباً في وحدة الأراضي العربية، بل لأن علاقاته العميقة والاستراتيجية مع “المغرب” تفرض عليه ذلك. هذه الازدواجية تفضح الوجه الحقيقي للمشروع: دعم الانفصال واجب عندما يهدف لإضعاف خصومنا أو تفتيت الدول الكبرى (كمصر والسودان)، ومحرم عندما يمس مصالح حلفائنا المطبعين.
سد النهضة: “قنبلة العطش” برعاية مزدوجة
ولا يمكن فصل هذا الطوق الناري عن الكارثة الوجودية المتمثلة في “سد النهضة”. هنا تتجلى الشراكة الخبيثة بين الكيان الصهيوني والإمارات في أوضح صورها لتهديد “شريان الحياة” المصري:
الدور الإسرائيلي: لم يعد سراً أن الكيان الصهيوني هو “الراعي التقني والأمني” لهذا السد، عبر تزويد إثيوبيا بمنظومات دفاع جوي متطورة (Spyder) لحماية السد من أي عمل عسكري محتمل، بالإضافة إلى إدارة ملفات المياه والزراعة هناك، بهدف إمساك “محبس المياه” والتحكم في قرار مصر السياسي عبر التهديد بالعطش.
الدور الإماراتي: في الوقت الذي كانت مصر تفاوض فيه من أجل بقائها، كانت الاستثمارات الإماراتية تتدفق بمليارات الدولارات إلى أديس أبابا، داعمة للاقتصاد الإثيوبي ومشروعاته الزراعية المرتبطة بالسد، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا كدعم مباشر للتعنت الإثيوبي وتثبيت للأمر الواقع ضد المصالح المصرية.
متلازمة “البتر”: استراتيجية الأطراف المشتعلة
وهكذا، تكتمل النظرية الإسرائيلية القديمة القائمة على “شد الأطراف” لتصبح “بتر الأطراف” وخنق المركز:
الجنوب (النموذج الأول): كان فصل جنوب السودان هو البروفة الناجحة لضرب العمق الاستراتيجي.
الغرب (الخنجر الليبي): ما يحدث في بنغازي ودعم مشروع حفتر هو محاولة لفصل الشرق الليبي ليكون كياناً وظيفياً يهدد الحدود الغربية لمصر ويستنزف جيشها.
صوماليلاند (الخنق البحري): الاعتراف بـ “صوماليلاند” يعني تسليم مفاتيح باب المندب لإسرائيل، وتطويق قناة السويس من الجنوب، وخلق “إسرائيل ثانية” في القرن الإفريقي.
معركة الوعي والوجود
إن الألم الحقيقي ليس في تآمر العدو، بل في الدور الوظيفي الذي تلعبه الإمارات وميليشياتها في تمهيد الأرض لهذا التفتيت. إن ما يجري هو عملية “خنق ممنهج” لمصر عبر إشعال حدودها الأربعة، والتحكم في مياه نيلها، والسيطرة على منافذها البحرية، بأيادٍ تزعم العروبة ولكنها تدين بالولاء للمشروع الصهيوني.
هذا المقال ليس مجرد تحليل، بل هو جرس إنذار: الانفصاليون لا يبحثون عن “حرية شعوبهم”، بل يبحثون عن “رضا إسرائيل”، لأنهم يعلمون أن خيوط اللعبة تبدأ وتنتهي هناك.





















