من جديد، تخرج الأصوات داخل الإعلام الغربي لتكشف ما يظل الحكام العرب يتجاهلونه، أو يتعامون عنه. ففي تعليق لبيث سانر، محللة شؤون الأمن القومي في شبكة CNN، جاء ما لا يترك مجالاً للشك: لا يمكن للمقاتلات الإسرائيلية أن تدخل الأجواء القطرية دون أن ترصدها الرادارات الأمريكية في قاعدة العديد، إحدى أكبر القواعد الأمريكية في العالم. المعنى المباشر أن واشنطن تعلم مسبقاً بكل ما يحدث، وأن أي إنكار لاحق لا يعدو كونه مسرحية مفضوحة.
ذلك ما تأكد فعلياً في الواقعة الأخيرة: كل التقارير أثبتت أن أمريكا كانت على علم بالضربة، وأن ترامب نفسه كان يعلم. غير أن التنصل لم يأت إلا بعد الفشل. ولو نجحت الضربة، لما وجد ترامب نفسه مضطراً لتقديم أي تبرير عن عدم معرفته. الأمر ليس جديداً، فقد أشار أحد الخبراء الأمنيين، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إلى موقف ترامب السابق من حصار قطر حين ساند السعودية والإمارات، متسائلاً: ما الذي يمنعه من تكرار الأمر نفسه مع إسرائيل؟
لكن المدهش حقاً ليس في السلوك الأمريكي، بل في سذاجة من يصدقون الأكاذيب الأمريكية من الحكام العرب. أليس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قد قالها صراحة: “إسرائيل ليست سوى حاملة طائرات ثابتة في الشرق الأوسط، هدفها ضمان السيطرة الأمريكية على المنطقة”؟ إسرائيل إذن ليست دولة بالمعنى التقليدي، بل عصا غليظة بيد واشنطن. والحقيقة أن إسرائيل بلا أمريكا لن تصمد أسبوعاً واحداً أمام فصائل المقاومة الفلسطينية.
على مدى اثنين وعشرين شهراً من العدوان، بعد أن سوت غزة بالأرض وحولتها إلى أنقاض، دمّرت المباني والخدمات والمستشفيات والجامعات والمدن، ومع ذلك لم تنجح إسرائيل في تحقيق نصر، ولا في إخراج أسراها. هذه الحقيقة المرة تلخص مأزق القوة الإسرائيلية: كل البلطجة الجوية، وكل الغرور، لا تكفي لإحراز الحسم، بينما العالم العربي الرسمي صامت، صمتاً أقرب إلى التواطؤ.
ذلك الصمت ليس خوفاً من شعوبهم، بل خوفاً على “أدوارهم الوظيفية” كما سماها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. ففي حوار قديم له مع الصحفي ديفيد كيركباتريك، قال كارتر بوضوح: “إن واشنطن تدعم الأنظمة الديكتاتورية العربية من أجل رفاهية إسرائيل، كل الرؤساء الأمريكيين فعلوا ذلك، وأنا أيضاً”. وجاء ترامب ليضيفها على طريقته الفجة: “لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة”.
هنا تكمن الحقيقة: تبجح إسرائيل لا ينبع من قوتها الذاتية، بل من كونها مرتزقة أمريكا في الشرق الأوسط، أداة لاستنزاف الثروات العربية والسيطرة على مقدراتها، وتفقير شعوبها لحساب الأمراء والحكام الذين تشارك واشنطن في نهبهم.
يكفي أن نتذكر مشهد هبوط طائرة ترامب في الخليج، يوم هرع حكام قطر والإمارات والسعودية إلى تقديم “الخُصّة” الأمريكية، أي الحصة المقررة من الثروة: ٤.٥ ترليون دولار، وطائرة خاصة قيمتها ٤٥٠ مليون هدية شخصية للرئيس الأمريكي. إنها شراكة غير متكافئة: العرب يدفعون الجزية، وأمريكا تقدم الغطاء السياسي، بينما إسرائيل تحمي النظام الإقليمي بالسوط العسكري.
والسؤال: من يقف مع من؟ كيف تكون واشنطن شريكاً وممولاً لكل حروب إسرائيل، بل المزوّد الأول لها بالسلاح والدعم السياسي والحماية الدولية، ثم يطلب منها الحكام العرب ضبط كباحها؟ إسرائيل تتلقى من الدعم الفيدرالي الأمريكي أكثر مما تناله أي ولاية أمريكية داخلية، وهذا وحده كافٍ لكشف طبيعة “التحالف”.
في المحصلة، فإن حكام العرب ليسوا مجرد متواطئين، بل شركاء كاملو الأهلية في الجريمة: شركاء لأمريكا وإسرائيل في سلب الشعوب العربية ثرواتهم، في سحق حياتهم، في امتهان كرامتهم، بل في وضع حياتهم ودينهم تحت أقدام المشروع الصهيوني. إنها الحقيقة المرة التي حاول كارتر تلميحها، وجاهر بها ترامب بلا مواربة: إسرائيل ليست إلا “قاعدة أمريكية ثابتة” في المنطقة، والأنظمة العربية ليست إلا خدم هذه القاعدة.






















