إن العالم اليوم يعيش مخاضاً هو الأقسى والأكثر خطورة في التاريخ الحديث، حيث يتولى “دونالد ترامب” رسم ملامح حقبة تتسم بـ “بلطجة الدولة العظمى” في التسليح والسياسة، وهي حقبة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعدام كل القيم الإنسانية والأخلاقية التي توافقت عليها البشرية. إننا أمام شخصية مريضة ومنفلتة، أتى بها الشعب الأمريكي لتكون ربما السبب المباشر في نهاية أمريكا، إذا ما استوعب العالم خطورة منظومة القوة التي تحكمها عقلية ديكتاتورية مريضة، سقط أمامها الكونغرس الأمريكي ووقف عاجزاً ومستسلماً أمام تركيبتها العنصرية.
تتجلى بشاعة هذه المرحلة في الهجوم الممنهج على إيران، تلك الدولة ذات السيادة التي تتعرض لضغوط هائلة تحت الإملاءات والضغط الصهيوني، وما تبع ذلك من ضرب فنزويلا واعتقال رئيسها المنتخب واختطافه هو وزوجته ونقلهما إلى أمريكا في مشهد يمثل قمة الخزي والعار. إن الهدف الحقيقي من وراء هذه البلطجة الدولية ليس نشر الديمقراطية كما يزعمون، بل هو انعدام أخلاقي سياسي يهدف إلى “السرقة الدولية” والاستيلاء المباشر على موارد الغاز والنفط. إنها عملية نهب كبرى تجري أمام أعين عالم عاجز، حيث تقوم الدولة العظمى بتعجيز القانون الدولي وتحويله إلى أداة لخدمة مصالحها الضيقة.
ولم يتوقف الأمر عند التدخل العسكري والسياسي، بل امتد لضرب المنظومة الدولية من جذورها عبر معاقبة مؤسسات الأمم المتحدة. إن فرض العقوبات على منظمات إنسانية مثل “الأونروا” أو التجرؤ على محكمة العدل الدولية، يثبت أن هذه الإدارة لا تقيم وزناً لأي رادع أخلاقي. وإذا استمر هذا الجنون، فربما نشهد غداً الوقف الكامل لعمل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، ليصبح العالم بلا مظلمة وبلا مرجعية، تحت وطأة بلطجة تفرض الإتاوات على دول الخليج وتتعامل مع الدول كأنها ملكية خاصة.
إن مقارنة هذا النهج بالأنظمة الفاشية والنازية لم تعد مجرد تشبيه بلاغي، بل هي واقع سياسي؛ فالفاشية في جوهرها هي استعلاء القوة على الحق، وهذا ما يفعله ترامب اليوم. والخطورة تكمن في أن القوى الأخرى التي كان يُعول عليها، مثل روسيا والصين، أثبتت عجزاً مخزياً؛ فروسيا لم تستطع حماية حلفائها على مدى تاريخها بشكل حاسم، والصين ظهرت عاجزة حتى عن حماية سلاسل إمداد النفط الخاصة بها من إيران أو فنزويلا. إن هذا العجز الدولي هو ما غرس الجرأة في قلب هذا النظام الديكتاتوري ليستمر في غدره، مؤكداً أنه لا يوجد حاكم في العالم اليوم في مأمن من هذه البلطجة التي تقود العالم نحو السقوط الحتمي.






















