كانت الحياة في الريف تمر هادئة مع بساطتها. لم يتذمر المزارعون ويثوروا برغم كاهلهم المثقل بالأعباء ونقص الخدمات المقدمة إليهم؛ فلا طرق، ولا كهرباء، ولا مياه نظيفة، ولا رعاية صحية واجتماعية.
وبين غلاء المبيدات وعدم قدرتهم على تسويق محاصيلهم أو الحصول على سعر عادل لها، وبين بنك التسليف، ظلوا مرابطين يقاومون الظروف بكل رضا وقناعة، وحمل الفلاح المصري لقب “الشهيد الحي” عن جدارة.
صحيح أن الدولة تذكرتهم أخيرًا بعد ثورة يونيو وأطلقت مبادرة “حياة كريمة” التي جاءت لتربت على أكتافهم.
فأنشأت لهم المدارس، ومراكز الشباب، ومكاتب البريد، ووحدات الخدمة الاجتماعية، ومحطات الكهرباء والصرف الصحي، ومشاريع الغاز الطبيعي.
كما أقيمت الطرق الممهدة، ودخلت مياه الشرب، وتوسعت الحكومة في إنشاء محطات الصرف الصحي والتحلية، والعمل على دمج الفلاح في المنظومة الاقتصادية، وإصدار قانون للنقابة التي ترعى مصالحه، وغيرها من الخدمات التي تحسن من مستوى معيشته وتوفر له سبل الراحة والأمان.
تحاول هذه المبادرة أن تعوضهم عن حياة العصور الوسطى، برغم ما يقدمونه للوطن من خدمات بإخلاص دون أن يسألوا يومًا عن المقابل. إيمانًا من الدولة بدورهم في التنمية الزراعية، وأنهم عصب الاقتصاد الزراعي وأمن مصر وسلتها الغذائية.
تذكر حياتهم ونحن في المدينة نشتكي من حرارة الجو، وهم يقضون يومهم في الصيف بشدة حرارته والشتاء بقسوة برودته، ولا يتذمرون. دعونا نمر على يوم من أيام جمع القطن، المحصول الأشهر لديهم، فمن بدايته إلى نهايته يخططون للمستقبل ويترقبون يوم الحصاد.
في الليلة السابقة للحصاد، تمر ربة البيت على بعض الأهل والجيران لإبلاغهم بيوم الجمع، حيث يتزاملون ويتم مبادلة تلك الأيام في يوم حصادهم، نوعًا من التكافل والتعاون. يخرجون من الصباح الباكر وطوال اليوم إلى مغيب الشمس يظلون في حقولهم يجمعون القطن في حركات متسارعة بأيديهم، وتعقبها نظرات متلاحقة بعيونهم ليلتقطوا القطن بعد أن يزيلوا منه الشوائب بأفواههم وكأنهم يقضمون قطع الحلوى.
تستمر الحركة في ديناميكية سريعة متلاحقة، تصاحبها خطوات بطيئة جدًا يتحركون بها بين زهرات القطن المتلألئة.
يتداولون الحكايات وتُحكى القصص عن من تزوجت ومن تطلقت، ومن خاصم ومن تزوج، ومن سافر إلى خارج البلاد ومن التحق بوظيفة، وكأنك تشاهد آخر الأنباء. لا تنتهي الحكايات ويتم تداولها من حقل إلى حقل، يكسرون بها الوقت ويمررون اليوم الطويل تحت وطأة الشمس الحارقة. بكل حب يتداولون أيامهم وتزداد الحكايات.
يعد موسم حصاد القطن مصدر فرحة وبهجة للمزارعين. تسمع زغاريد السيدات عند تجميع أول قطفة، فكل خطط الفلاحين قائمة على أمل محصول وفير لتحقيق برامجهم المعدة سلفًا لمن سيتزوج أو يبني منزلًا جديدًا أو يجهز لابنته. غالبًا ما كانت الأفراح تقام بعد موسم الحصاد.
يتبارى المزارعون في التفاخر بإنتاج حقولهم، لكن يستمر التعاون والتكافل بينهم إلى نهاية المحصول وفي كل الأشياء الأخرى، فتلك عادة طيبة غابت مع التطور، وأصبحت هناك أشياء أخرى تطغى على اهتماماتهم.
في الماضي، كان أهل الريف يعتمدون على ما تستخرجه الأرض. فالحطب وقود للكانون الذي يتم تجهيز الطعام عليه، وقش الأرز يشعل أفران الخبز، ويستخدم في شواء السمك والباذنجان والذرة الخضراء. يقومون بتربية الطيور وغيرها من الأشياء الأخرى التي تلبي احتياجاتهم. لم يعرفوا اسطوانات الغاز ولا أفران الكهرباء، ولا السهر إلى منتصف الليل.
كانت حياتهم الأرض، ومشاكلهم تتعلق بالأرض والمبيدات والري والصرف والبذور. لم يكونوا منشغلين بما هو خارج حدودهم، متمسكون بجذورهم وهويتهم وإرثهم في كل شيء يفعلونه كما توارثوه في كل مناسباتهم. يجتمعون معًا في السراء والضراء على قلب رجل واحد، يوقرون الكبير ويحترم الصغير الكبير بكل إجلال.
بيوتهم مملوءة بالحب برغم بساطتها، فكانت غالبيتها مبنية من الطوب اللبن (الطين) وتنشر السعادة في الأرجاء لحالة الرضا التي تغمرهم.
يجتمعون على طبلية الطعام في مواعيد ثابتة غير قابلة للتأجيل أو التأخير، حيث كانت المربى الأول لكثيرين.
فالالتفاف عليها للطعام وبعد الطعام تتراص أكواب الشاي فوقها وكأنها للاجتماع ليصدر رئيس العائلة أوامره ويوزع المهام، وعلى الجميع تنفيذ كل ما تم من تعليمات.
أصبحت أشياء كثيرة مجرد ذكريات، نتذكرها في لقاءات متباعدة ليشدنا الحنين إلى أيام الطيبة والبراءة.





















