دخل علينا وهو في حالة لا يرثى لها، لم تكن قدماه تستطيع حمله، أخذ يهذي بكلام غير مفهوم، حاولنا تهدئته، مرت لحظات صمت غريبة وقاسية، لم نعهد الألفا بتلك الحالة، أو إنه وصل إلى درجة كبيرة من اليأس والإحباط، مرت الدقائق عسيرة.
نظر إلينا كأنه يرانا لأول مرة، استمر يتفحص في الوجوه وكأن ذاكرته قد غادرته، ثم نادى أين العترة، هنا اطمأنت قلوبنا انه بخير.
ثم قال: هذه ليست بلادى التى احببتها وعشقت ترابها، بناسها الطيبيين وجوهم المبتسمة، يقدرون الكبير، يعطفون على الصغير، لديهم ترابط وتلاحم في السراء والضراء، كانت أمى ترسلني كل يوم بطبق مما نأكل لجيراننا وكانوا يردون الطبق بما لديهم، لم نعرف للبغضاء طريق، ولم يكن للحقد منا نصيب.
فماذا أصابهم؟ لماذا كل هذا الحنق والكراهية؟
لقد قررت عدم الكلام أو الكتابة في السياسة، سأصوم عن الكلام، فقد انفرط العقد وأصبح كل شىء مباح.
مع أن كل حياتنا نوع من السياسة، تعاملنا مع بعضا البعض في العمل، البيت، الشارع، في البيع والشراء، في كل شىء هى سياسة.
فلماذا يغضبون الان من السياسة؟
- سنتكلم عن الضرة التي قتلت أطفال زوجها من زوجته الأولى بل وقتلته بعد أن امتلأ قلبها بالكراهية.
- أو الفيديوهات المنتشرة لبلطجية يحملون السنج والالات الحادة يرهبون بها المارة.
- أو عن الثقب الأسود وما يخفيه من عوالم خفية.
- أو عالم التيك توكر والبلوجر وما يقدمونه من محتوي سيء مخل يفسدون به الهيكل الاجتماعي، وما يجنونه من أموال جعلت الجميع يصاب بهستيريا التقليد الأعمى على حساب الأخلاق والدين.
- أم نتكلم عن الساحل الشرير وما يتم تسريبه من فيديوهات لمجتمع لم نعهده من الإسراف والتبزير.
قل لى عن ماذا نتكلم؟
عن الأب الذي أغتصب ابنته، أم الام التى كانت تعلم أن زوجها يغتصب ابنتها وهى صامتة، أم الزوج القاسي الذي قتل ابنه بدعوى التأديب، أو الابن الذي قتل أمه لرفضها إعطائه نقود ليشترى المخدرات، أم الابن الذي أشعل النيران في أسرته طمعا في الميراث، أم عن ماذا نتكلم؟
لماذا كل حكاياتهم كئيبة مريرة بطعم العلقم؟
لماذا يكره الوطن أبناء يعيشون على أرضه ويلتحفون بسمائه؟
لماذا يروجون الشائعات والأكاذيب ويحاولون تقويض الوطن وانكساره؟
لماذا يشوهون الوطن في الخارج، ويشوهون من كل انجاز؟
يدعون الفضيلة والفضيلة منهم براء، يدعون الأمانة وهم خونة كاذبون، قلوبهم مليئة بالكراهية، لم يعرفوا معنى الوطن.
أتعرف أن غالبية المواقع الالكترونية المفترض إنها إخبارية، أو فنية، أو رياضية تجري هى الأخرى وراء التريند، يتسابقون بشكل مخزي في العزاءات، في الافراح والسهرات، يلاحقون المشاهير، ويتلصصون سلم على من جلس بجوار من، انظروا إلى سيارته، وإلى تجاهله لفلان، بكائه، ابتسامته، ما يرتديه، من كان برفقته، يتتبعون صفحاتهم الشخصية، همساتهم تحركاتهم وكأن العالم متوقف على معرفة أخبارهم.
هل الوطن انحصر في الفن والفنانين والرياضيين، وأهل المال والأعمال.
أين الفن ورسالته؟، أين القدوة التى تخطف العقول والقلوب؟، أين البرامج التي تصلح الخلل؟
أخشى أن نترك النشىء لمصير مظلم مجهول، يقع فريسة لكل تلك الترهات، ثم نبكى عن وطن ضاع أبنائه.
ياصديقي هدأ من روعك: فالوطن كبير وعظيم بكل مكوناته، تلك صغائر صحيح لم نعهدها ولكننا لن نتجاهلها، فالله خلق الخير والشر، وكل انسان مسؤول عن أفعالة، هو من يحاسب عنها يوم القيامة.
رد: ومن يحاسبة في الدنيا على تشويه المجتمع؟
من يقول له كفي فتلك الأفعال ليست من شيمنا ولا أخلاقنا ولا ديننا.
قلت: نحن جميعا، الأسرة، المسجد، المدرسة، الكنيسة، الجامعة، كل مكان فيه الخير، التوعية ضرورية، والتعليم والتعلم لن يتوقف، وأن الغالبية العظمى سوية، والمجتمع بخير طالما تكلمنا، لن تصوم عن الكلام، ولن نكف عن الكلام في السياسة، بلادنا بخير طالما هناك ضمائر يقظة، وقلوب محبة، وعيون ساهرة، ودرع وسيف وشعب يريدها ناهضة، متقدمة.



















