أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، في تصريحات خاصة لـ”الحرية”: أن إعلان وزارة المالية عن طرح «سند المواطن» للأفراد اعتبارًا من الأسبوع المقبل عبر الهيئة القومية للبريد، يمثل تحولًا استراتيجيًا في أدوات الادخار وإدارة الدين العام، ويعكس استجابة متوازنة لمتطلبات المرحلة الاقتصادية الحالية.
وأوضح أن «سند المواطن» يعد إحدى أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل لمدة 18 شهرًا، موجهة خصيصًا للأفراد، بعائد شهري ثابت أو كل ثلاثة أشهر، مع رد أصل المبلغ كاملًا في نهاية المدة. ويُعد السند شكلًا مبسطًا من أدوات الدين الحكومية مثل أذون وسندات الخزانة، لكنه مصمم لصغار المدخرين وبآلية أكثر سهولة وانتشارًا.
مبادرة سند المواطن
وأضاف أن المبادرة لا تمثل مجرد منتج مالي جديد، بل تعكس تلاقي حاجتين أساسيتين: حاجة الدولة إلى تمويل عجز الموازنة وتنويع مصادر الاقتراض، وحاجة الأسر إلى حماية دخولها وقدرتها الشرائية في ظل تغيرات أسعار الفائدة.
وأشار إلى أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الفائدة لمواجهة موجات التضخم، قبل أن تبدأ في التراجع التدريجي من مستويات قياسية بنهاية 2023 إلى نحو 11.9% في يناير 2026، ما سمح للبنك المركزي بخفض الفائدة بنحو 7.25% منذ بداية دورة التيسير النقدي في 2025 وحتى الآن. وأوضح أن هذا الانخفاض انعكس مباشرة على عوائد الشهادات الادخارية بالبنوك، التي أصبحت تتراوح حاليًا بين 16% و17% بعد أن كانت تمثل مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر لتغطية مصروفاتها الشهرية.
وأكد أن اختيار الهيئة القومية للبريد كمنفذ حصري لطرح السند يحمل أبعادًا مهمة، في ظل امتلاكها شبكة تضم أكثر من 4700 مكتب بريد على مستوى الجمهورية، وتخدم ملايين المواطنين، خصوصًا في القرى والمناطق غير المشمولة مصرفيًا، ما يسهم في توسيع قاعدة الشمول المالي ودمج فئات جديدة في النظام المالي الرسمي، إضافة إلى تقليل الاكتناز النقدي خارج المنظومة المصرفية.
وأوضح أن تحديد مدة 18 شهرًا يحقق توازنًا مدروسًا، فهي ليست قصيرة جدًا كأذون الخزانة التي تبدأ من ثلاثة أشهر، وليست طويلة كسندات الخمس أو العشر سنوات، ما يوفر طمأنة للمواطن من حيث فترة الاستثمار، وفي الوقت نفسه يتيح للحكومة تمويلًا مستقرًا ومرونة أكبر في إدارة الدين العام.
وأشار إلى أن «سند المواطن» يمثل حلًا مزدوج الفائدة، إذ يساعد الدولة على تنويع مصادر تمويل الموازنة وتقليل الاعتماد النسبي على البنوك أو المستثمرين، بما قد يسهم في خفض تكلفة خدمة الدين على المدى المتوسط، كما يعمق سوق أدوات الدين من خلال توسيع قاعدة حائزي السندات، ويساعد في امتصاص جزء من السيولة من السوق، بما يخفف الضغوط التضخمية ويدعم استقرار الاقتصاد.
أما بالنسبة للمواطن، فيوفر السند بديلًا ادخاريًا آمنًا بعائد ثابت، خاصة في ظل توقعات بمزيد من خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، وهو أداة مضمونة من الدولة، وتتيح للأسر التي لا تتعامل مع البنوك فرصة استثمار موثوق عبر شبكة البريد المنتشرة في مختلف المحافظات.
واختتم عبد المنعم السيد تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح «سند المواطن» مرهون بتسعير عائد تنافسي يتماشى مع معدلات التضخم، وضمان سهولة الإجراءات والوصول إلى شريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، مشددًا على أن الأداة الجديدة يمكن أن تصبح نموذجًا ناجحًا لتعبئة المدخرات المحلية وتحفيز الادخار الرسمي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي بشكل مستدام.





















