هذه الآية التي جاءت بعد سجود الملائكة تكريمًا لأول إنسان كفيلة بأن يقف أمامها علماء التفسير طويلاً؛ فـ “الأسماء كلها” تعني كل شيء إلى يوم القيامة، ولك أن تتخيل عقل آدم الذي يستوعب أسماء الملائكة كلهم أجمعين، وجميع اللغات بدليل ذهاب المؤمنين من كافة الأمم والعصور يوم القيامة إلى أبيهم آدم؛ ليشفع لهم، وجميع العلوم الشرعية والكونية؛ لأن آدم لن يعرف معنى كمبيوتر أو سديم Nebula مثلاً دون علمه بتفاصيلهما، وغيرها من الأسماء؛ حيث إن العلم ينبني على التعريف للمصطلح والفرضيات، والتجريب، ثم النتائج، حتى يصبح معلومة علمية صحيحة يتم تطبيقها.
وقبل هذه الآية تكلم الله في حواره مع الملائكة بنفس الفعل، ولكن في صيغة الثلاثي، وهو العلم (النتيجة العلمية اليقينية) لا التعليم: “قال إني أعلم ما لا تعلمون“. (البقرة: 30).
وجاءت في الآية “الأسماء” جمعًا لا مفردًا (اسم)، ومعرفة بالألف واللام؛ للدلالة على الاستغراق، ثم تم تأكيدها بـ (كلها)؛ للدلالة على الشمول والإحاطة.
وبجانب تعليم الأسماء لآدم علَّمه الله، وهو النطق والتعبير والإبداع بوضع الأسماء للأشياء، “خلق الإنسان، علمه البيان” (الرحمن: 2 و3)،
أما عن طريق تعليم آدم فقد تكون بالتلقين والإلهام، وكلاهما يدل على عقل لديه إمكانات فائقة، قادرة على استيعاب هذا التلقين الهائل لكمٍّ من معلومات لا يعلمه إلا الله، كما أن الإلهام يؤكد الطاقة الإبداعية اللانهائية لعقل آدم، التي تضع لكل شيء اسمه بلا أخطاء.
وفي الحالين فإن البيان أو التعبير عن الأشياء من خلال لغة هو ما يتميز به آدم؛ بدليل أن الله عرض الأشياء على الملائكة، فلم يستطيعوا التعبير عنها باللغة، بينما أنبأ آدم الملائكة بالأشياء نطقا وتسمية لها؛ لأن الله علمه الأسماء والبيان لنطقها.
وسواء كان التعليم تلقينًا أو إلهامًا، فهو تعليم، وهو ما جعل آدم كُفْئًا لأن يكون خليفة في الأرض، والخليفة تعني تعاقب الأجيال، وهذا التعاقب يستوجب التعلُّم لا العلم؛ لأن العلم بدون تعليم أبتر، يزول مع زوال العالم. أما التعليم فهو امتداد للعلم وإضافة إليه وتطوير له مع تناقل الأجيال له، وهو ما يؤدي إلى الإبداع في العلم، وليس الاتباع فقط، وهو ما أرادته الحكمة الإلهية من الإنسان، ووضعت مفاتيح للعلوم في القرآن الكريم؛ ليتواصل بحث وإبداع الإنسان في الأرض.
لذا عندما عرض الله الأشياء على الملائكة لم يستطيعوا الإبداع؛ لأنهم متبعون بالتسخير لا مبتدعون بالبيان كآدم أبي البشر، الذي باهى الله به الملائكة قبل خلقه، وسخرهم له ولأبنائه الذين يسيرون على نهجه.
وهذا العلم الذي يتعلمه خلفاء آدم في الأرض نجد بقايا منه في الحضارات الغابرة التي تم اكتشاف بعض منها، وأبرزها الحضارة السومرية والحضارة المصرية القديمة.
اقرأ أيضا: ضيَّعتُ فيلمًا حاصلاً على جوائز أوسكار بسبب «ألف جنيه»



















