يواجه المواطنون في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تصعيداً خطيراً في سياسات حجب الشبكة العنكبوتية، حيث تحول الاضطراب التقني إلى وسيلة ممنهجة للسيطرة الاجتماعية وتجريف الموارد الاقتصادية للفئات الأكثر احتياجاً. تؤكد المؤشرات الميدانية أن هذا الإقصاء الرقمي المتعمد يسلب ملايين الأشخاص قدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية، محولاً الحق في الوصول إلى المعلومات إلى أداة لإنتاج الفقر وعزل المهمشين عن الفضاء العام بشكل كامل ومروع.
تتجسد مأساة هذا الواقع في قصة آوات م التي تنحدر من مناطق شرق كردستان، حيث تعاني من فقدان البصر وبتر أطراف نتيجة انفجار لغم سابق، مما جعلها تعتمد كلياً على التطبيقات الصوتية والخدمات الرقمية. يمثل انقطاع الإنترنت بالنسبة لهذه السيدة عودة قسرية للحظة الانفجار الأولى، إذ ينهار استقلالها الذاتي وتجد نفسها مرغمة على الاعتماد على طفلتها الصغيرة للتحرك في مدينة تحولت بفعل التعتيم الرقمي إلى متاهة مظلمة وموحشة.
هندسة الفقر الرقمي وتآكل السيادة الشخصية
تستغل السلطات في طهران ذريعة الأمن القومي لفرض قيود تقنية تجاوزت الألف ساعة من الاضطراب، مما حرم نحو ستين مليون شخص من الارتباط بالشبكة العالمية وفق تقارير تقنية دولية متخصصة. تعكس هذه الأرقام تحول الإنترنت من خدمة عامة إلى امتياز يمنح للمقربين من دوائر الحكم، فيما يعاني المكفوفون من عنف بنيوي غير مرئي يعطل برامج القراءة الصوتية والعمليات المصرفية التي كانت تمثل لهم بصراً رقمياً وبديلاً عن العجز الجسدي.
تسببت هذه السياسات في خلق حالة من البطالة غير المرئية، حيث يعتمد نحو عشرة ملايين فرد في دخلهم على الاقتصاد الرقمي الذي بات مهدداً بالانهيار الكامل نتيجة هذه الانقطاعات المتكررة. تشير التقديرات إلى أن خسائر الاقتصاد الكلي بلغت نحو مائتي ألف مليار تومان خلال أربعين يوماً فقط، مما يعكس عملية إعادة توزيع عكسية للثروة، حيث يتم نزع القوت من أفواه الطبقات الكادحة لصالح مراكز القوى المسيطرة على مفاصل الاتصالات.
انهيار الكرامة الإنسانية تحت وطأة التعتيم التقني
تستمر الضغوط الاقتصادية في التصاعد مع اضطرار المواطنين لتخصيص ميزانيات ضخمة للحصول على خدمات كسر الحجب، في وقت تفقد فيه الأعمال الحرة قدرتها على الاستمرار لأكثر من عشرين يوماً. يبرز نظام الإنترنت الطبقي كأحد أبشع صور التمييز، حيث تتمتع جهات رسمية بوصول مفتوح عبر ما يعرف بالبطاقات البيضاء، بينما يُترك المكفوفون وأصحاب المهن الصغيرة لمواجهة مصيرهم مع تعطل خدمات الدفع والنقل والتواصل الأساسية.
يؤدي هذا الإقصاء المنظم إلى تحويل المدينة من فضاء للتفاعل إلى سجن كبير يفتقد فيه الفرد القدرة على العيش الإنساني الكريم دون وصاية أو تبعية للآخرين. تظل حالة آوات م صرخة في وجه نظام يدير السلطة عبر الحرمان والإغلاق، حيث لا يقتصر الأثر على غياب الاتصال فحسب، بل يمتد لتدمير ما تبقى من كرامة واستقلال لأشخاص حاولوا لسنوات تجاوز إعاقاتهم الجسدية بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.














